القاضي عبد الجبار الهمذاني
354
المغني في أبواب التوحيد والعدل
غيرهما ، فيجب القضاء بأنها تحسن عند الظن ، كما يجب لمثله القضاء بأنها تحسن عند العلم بالمنافع المخصوصة . ولما ثبت في سائر الأفعال التي قدمنا ذكرها أن الظن لا يؤثر في نقلها من قبح إلى حسن ، وجب الحكم بذلك وإن لم تعرف العلة . على أنا قد بينا من قبل ما يجرى مجرى العلة ، لأن المضار إذا أثرت « 1 » فيها المنافع وصارت لأجلها خارجة من أن تكون مضرة حتى صارت كأنها منفعة ، فغير منكر أن يقوم الظن مقامها . وليس كذلك حال الجهل والكذب ؛ لأن النفع فيهما لا يؤثر ، فكيف يؤثر فيهما ظن النفع ؟ يبين ذلك أن للمضار مقدارا يصح أن تعتبر فيه « 2 » مقابلة النفع والزيادة فيه ؛ ويصح أيضا أن تعتبر ذلك في الظن باعتبار متعلقه . فصح أن يحسن عندهما . وليس كذلك حال الجهل والكذب ؛ لأنه ليس هناك مقدار يعتبر فيستحسن عند حصول ما يزيد ويستقبح عند خلافه ، فلا تتأتى فيهما الطريقة التي تؤثر معها المنافع في المضار ؛ فبأن لا يصح اعتبار الظن في حسنها أولى . وهذا يبين التفرقة بين الأمرين في العلة ، كما أن ما قدمناه يبين التفرقة بينهما في الحكم . ولهذه الجملة اعتبرنا « 3 » في الطاعات مقادير الثواب في الأوقات لما لم يصح اعتبارها من غير تضمين بوقت . ولذلك اعتبرنا مثله في الإحباط والتكفير مضمنا / كالمستحق في وقت لما لم تصح المعرفة بالزيادة والنقصان والمقابلة إلا على هذا الوجه . فإن قال : إن الكذب وإن كان الظن لا يؤثر فيه من حيث لا يؤثر نفس النفع في حسنه ، فقد علمنا أنه يؤثر في حسن الصدق ؛ فيجب أن يحسن لأجل الظن .
--> ( 1 ) في الأصل أثر . ( 2 ) في الأصل فيها . ( 3 ) في الأصل اعتباره .