القاضي عبد الجبار الهمذاني
335
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فصل في أن الألم قد يحسن لدفع ضرر أعظم منه يدل على ذلك أنه قد يحسن من أحدنا تخليص النفس من عظيم المضرة بيسيرها ، لأنه عند الخوف من السبع يحسن « 1 » منه العدو على الشوك ، وعند قرب النار منه يحسن منه الهرب على وجه يشق . وكذلك عند البرد الشديد ونزول الثلج ، وعند تهديد الظالم . وكذلك فقد يحسن منه عند حلول الأمراض التعمل للعلاج الشديد لكي يتخلص « 2 » من دوام المرض . وعلى هذا الوجه يحسن من العقلاء عند الفقر أو الخوف من الفقر تحمل المشقة بالصناعات والتجارات لإزالة ذلك . وعلى هذا الوجه نبنى الكلام في وجوب النظر في طريق معرفة اللّه ، لأنه على ما بيناه يتحرر بها « 3 » من الخوف العظيم الّذي أورده الداعي والخاطر . وكل ما ذكرناه يعلم العقلاء حسنه إذا وقع على هذا الوجه باضطرار « 4 » ؛ لأنهم متى علموا من حال الضرر حصول دفع ضرر عظيم واقع أو كالواقع ، علموا حسن ذلك باضطرار . وإنما تلتبس الحال في ذلك متى لم يعلم من حال الضرر ما وصفنا بأن يجوز للمتحمل « 5 » للمضرة أن يندفع عنه الأعظم من دونه ، أو يجوز أن لا يندفع به أصلا ، أو يجوز أن يندفع بغيره كما يندفع به ؛ أو يعتقد أنه لا تأثير له في دفع ذلك وإن اندفع عنه ، إلى غير ذلك من الشبه . وأما إذا علم ما ذكرناه ، فلا شبهة عليه في استحسان هذا الضرر ؛ بل قد يعلم وجوبه عند ذلك . وربما صار ملجأ إليه ، والإلجاء آكد في بابه من / الإيجاب ؛ لأن
--> ( 1 ) في الأصل ويحسن . ( 2 ) في الأصل يتخلصونه . ( 3 ) في الأصل به . ( 4 ) أي يعلمونه باضطرار أي علما ضروريا . ( 5 ) في الأصل المتحمل .