القاضي عبد الجبار الهمذاني
331
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فصل في بيان حال النفع الّذي يحسن لأجله تحمل المضرة اعلم أنه لا يخلو من أمور أربعة : إما أن يكون دون المضرة ، وإن كان كذلك لم تحسن المضرة لأجله لأنها تكون ظلما إذا لم ينفصل بعضها من بعض ، أو يكون بعضها ظلما إذا صح فيه التمييز ، لأن القدر الّذي لم يقابله النفع قد انفرد لكونه ضررا واقعا على وجه الظلم . وإذا كان كذلك ، فواجب أن يكون قبيحا ، أو يكون النفع الّذي فيه موازيا للمضرة ومساويا لها . فمتى كانت الحال هذه ، وجب كونها قبيحة - لا لأنها ظلم - لكن لكونها عبثا ، لأنه يصير ما فعله كأنه لم يقع ، من حيث إن الّذي دخل في ملكه بمنزلة ما أخرجه عن ملكه في سائر وجوه النفع وفي سائر وجوه الأغراض ، فيصير ما فعله لا فائدة فيه ، فيكون عبثا ، أو يكون قدر النفع أزيد من المضرة ، ويكون قدر الزيادة قدرا يلتبس حاله وتختلف أحوال العقلاء فيه . فمتى كان هذا حاله ، لم يمتنع أن يحسن لأجله ؛ لأنه وإن كان قد تختلف أحوال العقلاء فيه على حسب ما هم عليه من سائر الدواعي والأغراض وافتراق الأحوال في التماس المنافع ومقاديرها ؛ على ما بيناه . وإما أن يكون القدر الزائد في النفع بحيث لا شبهة فيه على أحد العقلاء أنه يختار ذلك القدر من المضرة لأجله ، فهذا ما يحسن من كل أحد تحمله لأجله ، ولا تختلف أحوال العقلاء فيه . وقد بينا أنا كما نشرط في النفع أن يكون موفيا على المضرة ، فإنا نشرط فيه أن / يكون معلوما لتحمل المضرة ، وأن يكون متحملا لها لأجله ، وأن ينظر في ذلك النفع ؛ فإن كان تخرج به المضرة من أن يكون ظلما وعبثا جميعا ، لم يطلب