القاضي عبد الجبار الهمذاني

324

المغني في أبواب التوحيد والعدل

ذلك خالفت طريقته « 1 » طريقة الضرر المفعول لأجل النفع ، فلا يجوز أن يعترض عليه . فإن قال : لو حسن منا تحمل المضرة لأجل النفع لوجب أن يعتبر حاله كحال النفع في الزيادة والنقصان ، حتى يحسن تحمل الزيادة من المضرة للزيادة من المنفعة ، والنقصان منها لأجل نقصان المنفعة ، وأن لا يختلف حال الفاعلين في ذلك ، ولا أحوال الأوقات والبقاع . وقد وجدنا العاقل يتحمل المضرة لقدر من النفع ويحسن ذلك منه في بلد دون بلد وفي وقت دون وقت . وقد يحسن من الشاب ذلك ولا يحسن من الشيخ ؛ وقد يتحمل الشيخ أكثر مما يتحمله الشاب من المضرة لقدر من النفع ولو تحمله الشاب لأجله لقبح ؛ وكل ذلك يبين أنه لم يحسن لما فيه من النفع وإلا لم يختلف حكمه مع تساوى النفع ، ولا تساوى حكمه / مع اختلاف النفع . قيل له : إن الجواب عما أوردته لا يكاد ينكشف إلا بذكر الأصول . أحدها أن المعتبر في باب ما يختار من الضرر لأجل النفع أن يكون مفعولا للنفع الخالص ، لا يضامه دفع ضرر ، بأن يكون من يختار ذلك مدفوعا إلى مضرة يزيلها بهذا النفع ، أو خائفا من ذلك ، أو ملجأ إلى ذلك ؛ لأنه متى كان الحال هذه لم يخلص الضرر لأجل النفع بل يكون مفعولا له ولغيره . ولا يمتنع في الأصول ذلك ، لأنه إذا كان قد يحسن لكل واحد منهما ، فقد يجتمعان جميعا في الفعل ، ويكون لاجتماعهما من الحكم ما لا يكون لانفراد كل واحد منهما إن انفرد لا يحسن منه . وإذا صح ذلك لم يمكن أن يقدح فيما قلناه بحال من يختار الضرر للنفع مع أنه مدفوع إلى ذلك لدفع ضرر وخوف .

--> ( 1 ) في الأصل لطريقته .