القاضي عبد الجبار الهمذاني
310
المغني في أبواب التوحيد والعدل
جهة السمع بأن نبين أن وجه قبحه لا يقف على ذلك ، ولا أمارات قبحه ، ولا الوجوه التي تثبت بها المعرفة بقبحه تقف على السمع كما يقف العلم بوجوب الصلاة والصوم على ذلك . وقد بينا القول في ذلك في أوّل باب العدل . فإن قال : أفتقولون إن كل من علمه ظلما وقبيحا يعلمه قبيحا لأنه ظلم ؟ قيل له : لا : وذلك أن العاقل قد يعرف الحكم والعلة ويحتاج أن ينظر في هل العلة علة في الحكم . فالعلم بذلك علم ثالث . أولا ترى أن من يعلمه ظلما وقبيحا قد يجوز أن يشكل عليه فيقول : إنما قبح لأمر آخر « 1 » ، أو لكونه ظلما مع أمر آخر . يبين ذلك أن الأحكام قد تعلم باضطرار وكذلك ثبوت ما هو علة لها ، والعلم بالعلل وما يجرى مجراها لا يكون إلا استدلالا ، لأنه علم بما له وجب الحكم ، لكن العلم بذلك قد يتجلى ويظهر مثل ما ذكرناه في الظلم حتى نتبينه بالضرورة . وفيه ما يغمض ويخفى فيظهر الحال فيه . فإن قال : إذا كان الظلم هو القبيح والذات واحدة ، فكيف يصح أن تجعلوا كونه / ظلما علة في كونه قبيحا ؟ قيل له : لا يمتنع فيما تصفه بأنه علة على هذه الطريقة أن يكون حكما للموصوف والموجب عنه حكم له أيضا . وإنما يمتنع من ذلك في العلل الموجبة كالعلم الموجب لكونه عالما . فإن قال : إنما كان يصح ما ذكرته لو كان المستفاد بأنه قبيح ليس هو المستفاد بأنه ظلم . قيل له : إنا نفصل بين الفائدتين ؛ ألا ترى أن غيره مما ليس بظلم يشاركه في أنه قبيح وإن فارقه في كونه ظلما ؟ وإذا اختلفت الفائدة « 2 » لم يمتنع أن تجعل إحداهما وجها للأخرى على ما بيناه .
--> ( 1 ) في الأصل لآخر . ( 2 ) لعله يقصد الإفادة .