القاضي عبد الجبار الهمذاني

303

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وبعد ، فإنه لا يمتنع أن يكونوا قد اعتقدوا فيما ينفرد به تعالى أنه ليس بظلم في الحقيقة فاعتقدوا عند ذلك حسنه ؛ لأن العلم بقبحه مرتب على العلم بكونه ظلما ، كما أن العلم بحدوث الشيء مرتب على العلم بكونه موجودا . وبعد ، فإن العلم بقبح ما هذا حاله علم جملة يتناول ما هو ظلم في الحقيقة ولا يتناول خلافه . وما وصفوه من فعله تعالى بأنه يحسن [ هو ] بين أمرين : إما أن لا يكون ثابتا ؛ وقد اعتقدوا ثباته ، كتعذيب أطفال المشركين ، وإما أن يكون حاصلا عدلا واعتقدوا أنه ظلم . وكلا « 1 » الوجهين غير داخل فيما قلنا إن العلم بقبحه ضروري . على أن عند موافقة القوم « 2 » ينكشف أنهم يعتقدون في تعذيب الأطفال أنه يقع عدلا لوجوه يذكرونها في هذا الباب ؛ وكذلك في الأمراض والأسقام ؛ فكيف يكون اعتقادهم بحسنه « 3 » ناقضا لما قلناه من أن العلم بقبح الظلم متقرر في العقول ؟ فإن قال : أوليس قد اعتقدوا في الظلم الواقع من العباد أنه من فعل اللّه تعالى ، وأنه لا يقبح منه ، فكيف يصح ادعاء الضرورة في هذا الباب ؟ قيل له : إنهم اعتقدوا قبح ذلك في الحقيقة ، وإنما نفوا كونه قبحا من جهة زائدة قد اعتقدوها ولا أصل لهم ؛ لأن الدليل قد دل على أن ذلك ليس بفعل اللّه تعالى . فإن قال : أليس العلم بقبحه من جهة فاعله في أنه ضروري كالعلم بقبحه على الإطلاق ؟ وإذا جاز منكم التشكك في أحدهما ، فهلا جاز في الآخر ؟ قيل له : إن العلم بقبحه من وجه واحد أو وجهين بمنزلة العلم بأنه لما ذا يقبح . وما هذا حاله ينال بالتأمل . وليس كذلك العلم بقبحه في الجملة لأنه ضروري لا يجوز فيه

--> ( 1 ) في الأصل وكلى . ( 2 ) أي موافقتهم لما يقوله معارضوهم . ( 3 ) في الأصل لحسنه .