القاضي عبد الجبار الهمذاني
259
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وقد يصح أن يقال إنه إنما اشتهى ما يحدث عند التفريق في بعض أعضائه لمفارقته العضو الآخر الّذي يألم بالحادث فيه بأن يغلب على ذلك العضو بطونة ، أو ما يجرى مجراها ، فتتعلق شهوته عند ذلك بالحادث فيه دون ما يحدث في العضو الآخر المباين له في هذه الصفة . وهذا معلوم في الجملة ، لأن الّذي يلتذ بحك الجرب لا بد من أن يحدث في عضوه ما ذكرناه ، ويباين الأعضاء السليمة في هذا الباب ، فيصير هذا الوجه كالضرب لهذا الألم . وكما « 1 » لا يمتنع في الشهوة والنفور أن يتعلقا بضربين من الطعوم وإن كان الجنس واحدا ، فكذلك لا يمتنع ما ذكرناه . وبعد ، فقد علمنا أن ما تختص به الصور مما يتناوله الإدراك لا يختلف في جنسه ، ومع ذلك فقد يشتهى الحي منا الواحدة منها دون غيرها « 2 » فيما يختص الرؤية واللمس وما شاكلهما ؛ ولم يجب من حيث كان الجنس واحدا أن لا يفترق في هذا الوجه ، فما الّذي يمنع من صحة ما ذكرناه في الجنس الّذي يحدث في جنس الحي أنه قد يفترق حاله في كونه ألما به أو متلذذا في وقتين أو في عضوين ؟ فإن قال : لو كان الألم معنى مدركا لوجب أن لا يصح أن يدرك / بالمحل في المحل ، لأن سائر المدركات يستحيل ذلك فيها ؛ فلما كان إثباته يوجب ما ذكرناه مع فساده فالواجب نفيه . قيل له : أن كيفية إدراك المدرك منا للشئ تختلف ، فلا يقاس بعضها على بعض ، بل يجب إثبات كل مدرك منها مدركا على الوجه الّذي يدرك عليه ، لأنه لا فرق بين ما ذكره السائل وبين من يقول في الصوت إنه لا يدرك من حيث
--> ( 1 ) في الأصل فكما . ( 2 ) في الأصل غيره .