القاضي عبد الجبار الهمذاني
256
المغني في أبواب التوحيد والعدل
بين الحرارة والبرودة ؛ وإنما يضع أهل اللغة العبارات للمعاني بحسب ما يظهر من أحوالها لهم فيسبقون إلى الأظهر فالأظهر من ذلك . ولذلك وضعوا للأكوان المختلفة عبارات ولم يضعوا للأكوان المختلفة ذلك « 1 » ، وإنما وضعوا لها ما كان أظهر عندهم من كونها حركة وسكونا واجتماعا وافتراقا . فلما ثبت من حال الألم « 2 » أنه يجد - لكونه ألما - من التفرقة « 3 » أظهر مما يجده لإدراك نفس الألم ، صارت هذه التفرقة أغلب عليه وأقوى عنده « 4 » ، فوضع له من من العبارة ما يفيدها ، ولم يضع له ما يفيد جنسه . فإن قال : فما الصفة الراجعة إلى جنس الألم ؟ قيل له : قد علمنا على كل حال لكونه عليها ما يجب أن يدرك بمحل الحياة فيه لا في غيره . فيجب أن يبين من غيره بهذه الصفة التي اقتضت فيه ما وصفناه ، كما أن التأليف يبين من غيره بحال يختص بها - لكونه عليها - ما يحتاج إلى محلين ، وكما أن الغذاء يجب أن يختص بحال لكونه عليها يشبع به الجسم . وقد علمنا أن ما يختص به الجنس لا يختلف حاله بأن يدرك أو لا يدرك في أنه لا بد من أن يصح أن يعلم عليه ، وإن كان طريق العلم بها في المدركات هو الإدراك ؛ وفيما ليس بمدرك ، هو الدليل .
--> ( 1 ) يظهر أن المراد أنهم وضعوا لبعض الأكوان المختلفة عبارات ( أي أسماء ) ولم يضعوا لبعضها أسماء ، وإلا يكون الكلام متناقضا . ( 2 ) الألم على وزن حذر أي المتألم يستعملها المؤلف كثيرا . ( 3 ) التفرقة هنا انقسام أجزاء الجسم بسبب كالإحراق والمقطع بالسكين ونحوها . ( 4 ) في الأصل عنه .