القاضي عبد الجبار الهمذاني

254

المغني في أبواب التوحيد والعدل

أنه متى حدث فلا بدّ من أن يدركه وليس كذلك حال المرارة ؛ ولأنه متى حدث في بعضنا أدركناه ، وإذا حدث لا في بعضنا لم يصح أن ندركه ، وليس كذلك حال المرارة . وجميع ذلك لا يوجب افتراق حالهما فيما قدمناه . فإن قال : لو كان الألم معنى سوى التفريق يتناوله الإدراك ، لوجب أن يدرك على أخص أوصافه وإن كان جنسا واحدا . وقد علم أن كونه ألما ، وكون المدرك له آلما لا يرجع إلى أخص أوصافه لأن ذلك يرجع إلى أنه نافر الطبع عنه ، وقد يجوز أن يلتذ به لو كان مشتهيا له ، فكان يجب أن يعلم المدرك له من حاله ما يختص به ، وأنه أمر زائد على كونه ألما أو ملتذا ، كما يعلم من حال الحلاوة عند الإدراك ما هي عليه سواء ألم بها أو التذ . وفي بطلان ذلك دلالة على أنه ليس بمعنى . وإن كان الألم مختلفا في جنسه فيجب أن يميز به المدرك له بين مختلفه ، وأن يعرف من حال كل جنس منه ما ذكرناه . وكان يجب في مختلفه أن يكون متضادا كالحرارة والبرودة . وقد علمنا فساد ذلك فيه ، فيجب نفى كونه معنى . قيل له : لا بدّ في الألم أن يعلمه المدرك له في الجملة على الوجه الّذي يدركه عليه . وإذا كان الإدراك يتعلق بأخص أوصافه ، فيجب أن يعلمه على تلك الصفة ، كما تعلم سائر المدركات مع سلامة الأحوال . لكنه لا يجب في كل مدرك أن يتخلص له من صفته مثل ما يتخلص / من صفة الأمور المتضادة التي تعرف مفارقة بعضها لبعض بالإدراك . ألا ترى أن الواحد منا يفصل بين الألوان المنفردة بأكثر من فصله بين الألوان المختلطة ، ويفصل بين المتضادات بأكثر من فصله بين ما لا يتضاد ؛ وربما عرف فيما يدركه العبارات المفيدة لها فيتمكن من العبارة عنها ؛ وربما يتعذر ذلك عليه لفقد المواصفة .