القاضي عبد الجبار الهمذاني
246
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : إنه تعالى عند حدوث الجوهر يفعل بعض الأكوان من حيث لا بد أن توجد في جهة دون جهة ، ولا تصير كذلك إلا بمعنى ، فأما في حال بقاء الجوهر ، فغير واجب أن يفعل تعالى الكون لأن البقاء يجوز عليه ، وإنما يفعل باختياره بعض الأكوان فينتفى عنده ما في الجوهر ، لا لأنه يجب أن يكون فاعلا له ، بل لضرب من المصلحة ؛ وذلك لا يصح في الشهوة ونفار الطبع من حيث لا يجوز البقاء عليهما . فإن قال : أفليس لو كان الكون لا يبقى لوجب أن يكون تعالى محدثا له حالا بعد حال إذا كان الجوهر باقيا ؟ ومتى وجب ذلك لزمكم مثله في الشهوة ونفور الطبع ؟ قيل له : إن كان لا يجب أن يفعل تعالى الكون حالا بعد حال ، لكنه كان يجب متى لم يفعل الكون أن يبطل الجوهر ؛ لأنه لا فرق بين أن يبطل بأن يحتاج في وجوده إلى الكون متى لم يفعل ، أو يبطل متى احتاج إليه في صفة لا ينفك في حال الوجود منها . فإن قال : فقولوا بمثله في الشهوة ونفار الطبع . قيل له : إنما صح في الجوهر ذلك من حيث عقلنا له صفة زائدة على الوجود لا يحصل / عليها إلا بالكون ، ولا ينفك وهو موجود عنها « 1 » . وليس يعقل للحياة ذلك . فكيف يقال فيها مثل ما يقال في الجوهر لو كان الكون لا يبقى « 2 » ؟ وبعد ، فإن الكون لو لم يبق لكان « 3 » متى لم يفعل الكون في الجوهر يبطل من حيث صار الكون مختصا به اختصاص العلة بالمعلول ؛ ولذلك كان يبطل أحد الجوهرين ولا يبطل الآخر .
--> ( 1 ) في الأصل منها . ( 2 ) أي لو كان الكون غير باق . ( 3 ) في الأصل كان .