القاضي عبد الجبار الهمذاني

206

المغني في أبواب التوحيد والعدل

إلى جنس المقدور ولا إلى الوجه الّذي يرجع إلى الفاعل ، وإنما يتضمن اختيار المكلف الفعل عنده . فلا يمتنع أن يعلم أن فعلا ما يختاره عند فعل منه تعالى ولا يختار غيره ، كما لا يمتنع في الوالد أن يقدر على ما يفسد الولد عنده ، ولو بذل جهده فيما يصلح عنده لما أمكنه . وإنما نقول في القادر على الشيء إنه قادر على ضده في الجنس ؛ لأن بذلك يفارق القادر المختار المضطرّ الممنوع ، ولسائر ما ذكرناه من الأدلة . وذلك لا يوجب أنه متى قدر على ما نفع عنده الشيء من غيره ، أن يقدر على ما نفع ضده عنده من غيره . كما لا يجب متى وصف بالقدرة على ما يولد العلم ، أن يوصف بالقدرة على ما يولد الجهل ، وإن كان القادر على العلم قادرا على الجهل ؛ ففارق حال الضدّين الواقعين عند مقدورين على جهة الإيجاب حالهما « 1 » إذا كانا مقدورين ؛ وذلك فيما يختار عنده ولا يكون موحيا عنه أبعد . وربما كان من / جنسه « 2 » ، لكنه بوقوعه على وجه مخصوص يكون كفرا ، نحو السجود إذا قصد به عبادة غير اللّه تعالى أنه يكون كفرا ، وإن كان هو نفسه إيمانا إذا قصد به عبادته تعالى . هذا لو كان الكلام في كفر وإيمان يقدر عليهما قادر واحد ، فكيف إذا كان القول في مكلفين ؟ فكيف يجب من حيث قلنا إن القادر على الشيء قادر على ضده ، أن يفعل تعالى ما لا بدّ أن يختار المكلف الإيمان عنده ، من حيث صح أن يفعل ما يختار الكفر عنده ؟ فإن قال : فمن « 3 » جهة تعلمون أنه تعالى قادر على فعل ما يختار عنده ، كما تعلمون من جهة العقل أنه لا يوصف بالقدرة على ما عنده يختار الكافر الإيمان عنده .

--> ( 1 ) في الأصل لحالهما . ( 2 ) من جنسه في الصورة والشكل لا في الجوهر ، فعبادة اللّه من جنس عبادة غيره في الصورة ، وإحداهما إيمان والأخرى كفر . ( 3 ) في الأصل أفمن .