القاضي عبد الجبار الهمذاني

193

المغني في أبواب التوحيد والعدل

قيل له : إن ظاهرها يدل على أنه لا يفعل ما لو فعله لكفروا وفسدوا ، فأما أن تدل على وجوب ذلك بظاهره فبعيد . ويدل في سائر الألطاف أنه تعالى يختاره « 1 » بدلا من المفسدة ؛ لأنه بين تعالى فيما ذكر أنه لا يفعله لعلة في ما لا يفعله ، وهو لكي لا يصير المكلف كافرا ، فيجمع الجميع على الكفر ، وهذه العلة توجب أن لا يفعل غير ذلك إذا كان متى فعله يقتضي ما ذكره . ويدل على ذلك قوله تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ « 2 » ؛ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ . فدل بذلك على أنه إنما ينزل الرزق بقدر من حيث يعدلون عن البغى عنده ؛ وإلا فقد كان يبسط الرزق بجوده وأفضاله . ودل بقوله : إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ على أنه يفعل من الأرزاق بقدر ما يصلحون عليه وعنده في معلومه ؛ وإلا لم يكن لذلك معنى . فكأنه تعالى كما بيّن أنه يفعل الرزق بقدر ما ، ولا يبسطه بسطا ، يفسدون عنده ؛ فإنه نبه على العلة فيه ، وهو أنه يفعل ذلك لعلمه بأحوالهم ، وأنهم لا يصلحون إلا على هذه الطريقة . وهذا يدل على أن غير الرزق كالرزق في هذا الباب في أنه يفعل تعالى منه ما يصلحون عنده دون ما يفسدون / . وكل ذلك يدل على أن تدبيره في المكلف يجب أن يكون على هذا الحدّ ، ويبطل قول أصحاب اللطف في أنه تعالى قد لا يفعل ما لو فعله لآمن كثير من الكفار . ويدل على ذلك قوله تعالى : سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ، وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ؛ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ « 3 » فدل بذلك على أن

--> ( 1 ) أي اللطف . ( 2 ) قرآن : سورة الشورى : 27 . ( 3 ) القرآن : سورة الأعراف : 146 .