القاضي عبد الجبار الهمذاني
163
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : قد بينا فيما قبل ما يبطل هذه الزيادة ؛ لأن الكلام مبنى على أن المنع ممن يكلف ويريد من غيره الشيء لأمور تخصه - لا لنفع يعود على المريد - والمكلف يجب أن يكون حاله ما وصفنا إذا كان ما منعه يؤثر في أن لا يختار المكلف ما أمره به ، ولا يؤثر في حال المكلف . فأما إذا كان الغرض بالأمر النفع العائد على المولى وجب فيما يأمره به أن يعتبر بما يبذله له ، وإن كان الضرر أكثر لم يلزمه بذل ذلك ، لأن تحمل الضرر العظيم للنفع اليسير لا يحسن . ومتى كان الضرر بفوت ما أراده منه أعظم لزمه بذل ذلك كما يلزمه دفع العظيم من الضرر باليسير منه . وجملة القول في ذلك أن الأمر متى كان غرضه بما أمر منافعه أو دفع المضارّ عنه ، وجب أن يعتبر في ذلك بحال لا بحال المأمور ، ويصير ذلك الفعل وما عنده يختاره بمنزلة أن يكون هو المولى له . وليس كذلك الحال إذا أراد من غيره وكلفه ما يعود نفعه على المأمور ، ولم يحصل فيه ولا فيما يفعله من إزاحة علله مضرّة تغير حاله ثانيا عن حاله أوّلا ؛ لأنه إذا كانت الحال هذه فهو بمنزلة أحدنا إذا أرشد ضالا عن طريق نفعه إلى طريق هلاكه ، لأنه إذا أرشده إلى طريق نفعه ونجاته على طريق الإحسان إليه ، ثم علم أنه متى رفق باليسير من القول يستقيم على طريقه نفعه ونجاته ؛ وإن هو لم يفعل ذلك استمرّ على طريق ضلاله ، ولم يعتد بالمشقة فيما يأتيه من إرشاد ورفق على وجه . فمعلوم من حاله إذا منعه الرفق أن يصير في حكم من منعه من المسير في طريق ينفعه ، ويصير / بمنع الرفق في عقول العقلاء بمنزلة ( من يناقض ) « 1 » الإحسان إليه فقطعه دون تمامه ؛ ويصير إلى الذم أقرب . وهذا بمنزلة ما قدّمناه في باب العدل أنه تعالى قد يفعل الحسن لكونه حسنا لا إحسانا ، وإن كان
--> ( 1 ) مطموس في الأصل .