القاضي عبد الجبار الهمذاني

160

المغني في أبواب التوحيد والعدل

لا يحصل متى لم يمكن ، أو منع من نفس الفعل ، فيجب أن يكون الحال في الجميع يتفق في أن يكون ناقضا للغرض . فكما تجب التخلية لكي يحصل الغرض ، فكذلك القول في اللطف . فإن قال : يجب على هذا الوجه متى علم أن المكلف يكفر إذا كلفه أن يكون منعه الاخترام الّذي تحصل معه السلامة من العقاب يقبح ، وأن يجب عليه أن يخترمه ، وأن يكون المنع من اخترامه الّذي عنده تحصل السلامة كالمنع مما به تحصل السلامة ؛ فإذا قبح منه تعالى أن يمنعه من الإيمان ، بل يلزمه أن يخلى بينه وبينه ، فكذلك يجب عليه أن يخترمه من حيث تحصل عنده السلامة . قيل له : إن السلامة التي تحصل بالاخترام غير السلامة التي تحصل بفعل ما كلف ، وذلك لأن المكلف لم يرد من المكلف بالتكليف السلامة من العقاب فقط ، وإنما أراد منه السلامة التي هي الثواب ، وإن كان لا بدّ في الإثابة من زوال العقوبة . ومتى اخترمه تعالى لم تحصل هذه السلامة البتة ، فيبطل ما ذكره / ( من أن الاخترام يجب كوجوب ) التمكين منزلة الفعل من حيث صار المنع منه كالمنع من نفس الإيمان ، وليس كذلك ما ذكرناه في اللطف ؛ لأن المعنى الّذي يزول ويرتفع بأن لا يفعل تعالى ما يختار عنده الإيمان ، أو بأن يفعل ما يتمكن به ، معنى واحد « 1 » ، وهو الثواب المقصود بالتكليف . فإن قال : أليس إذا اخترمه قبل التكليف تفضل عليه بالنعم ، ومتى كلفه وكفر لم تحصل له هذه السلامة ؛ فقد صح ما ذكرناه ؟ قيل له : لو ثبت ما ذكرته عقلا لكان يبطل ما قدّمناه من أن أحد الأمرين غير الآخر ؛ لأن منزلة التفضل غير منزلة الثواب ، وصفة أحدهما مخالفة لصفة

--> ( 1 ) في الأصل : واحدا .