القاضي عبد الجبار الهمذاني

16

المغني في أبواب التوحيد والعدل

حاله ) لا يوصف بأنه معصوم أو موفق إلا على جهة التوسع . ومن المعلوم أن له لطفا قد يكون ذلك اللطف فيه لبعض الطاعات دون بعض ؛ فلا يجوز أن يطلق القول فيه بأنه موفق ومعصوم ، لأن هذا الإطلاق لمّا لم يختص بطاعة دون طاعة وقبيح دون قبيح لم يجز أن يفيد الاختصاص ، فلا يستعمل إذن إلا فيمن فعل كل واجب وامتنع من القبائح . وفي المكلفين من يلطف له ، لكنه لا يعتصم به بأن تغلب دواعي الفساد عليه ، فلا يستحق هذه التسمية ؛ فكيف يلزمنا ، على ما ذكرناه في العصمة والتوفيق ، أن نصف بهما كل مكلف . فأما الأنبياء والمؤمنون فإنا لا نمنع من وصفهم بذلك ، ومدحهم به على السبيل الّذي قدّمناه فأما المستفاد بذكر العصمة عند مخالفى الإمامية في قولها : إن الإمام معصوم ، فهو أمر مخالف لما ذكرناه ، وإن كان يقاربه . وذلك لأنهم يقولون : إنه لا يجوز أن يختار ما كلّف إلا على الحدّ الّذي كلف ، وأن سبيله في ذلك سبيل الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، بل أزيد ، لأنهم يجوّزون فيهم ما تجوّزوه على الأنبياء في بعض الوجوه . ونقول نحن : إن الّذي ذكرتموه لا دليل عليه ، فلا يجوز أن يقطع به ، ويجعل شرطا في الإمامة واستحقاقها . وقد بينا أن اللطف عندنا ، وإن وجب في الحكمة فعله ، فلا دليل يقطع به على أن مكلفا مخصوصا لا بدّ من أن يكون له ألطاف من جميع الوجوه وفي سائر الأحوال . فمتى قالوا ذلك في الإمام وأوجبوه ، وخالفناهم فيه ، لم يبعد فيه ما ذكرناه من فائدة العصمة . وإنما خالفناهم في وجوبها والقطع عليها في كل حال وفي جميع ما كلف . وفي ذلك زوال الطعن على جميع ما قدّمناه بما ذكره السائل .