القاضي عبد الجبار الهمذاني
149
المغني في أبواب التوحيد والعدل
دبر وحاله هذه بأن يفعل به ما يؤثر طريقة الفساد على الصلاح ، كان هذا المدبر مستفسدا كما ذكرناه في الأول . وأما إذا كان بنفس التدبير يتمكن من الصلاح ، كان هذا المدبر مستفسدا والفساد لذلك « 1 » لا يدخل في طريقة كونه مفسدة ، بل هو تمكين . فيجب أن ينظر فيه : فإن وقع على الوجه الّذي يحسن ، حكم به ، لأن باب التمكين غير باب المفسدة . واعتبار حسن أحدهما أو قبحه يجب أن يكون بخلاف الطريق الّذي يعتبر به الأمر . وقد بينا ذلك فيما تقدّم مشروحا ، وذكرنا أن العقلاء قد فصلوا بين مقدم الطعام / في حالة يغلب على الظن أنه ( ) « 2 » من يعلم إذا قدم الطعام إليه أنه إن ( ) « 2 » به منع من أكله في أنهم لا يعدون الأول مفسدة ويعدون الثاني مفسدة . وكذلك القول في إدلاء الحبل إلى من يمنع ، وفي ترك الرفق به إذا كان يمنع عنده . وبينا أن المفسدة إنما وجب فيها ذلك من حيث وقعت ضارّة على وجه لولاها لكان المكلف يستنفع لا محالة . ففاعلها هو الجالب للمضرة والموقع له فيها وقد كان يمكنه أن لا يفعل ذلك لولا أنه أراد الإضرار . ومعلوم من حاله أنه لو أراد نهاية الإضرار بالمكلف فيما كلف لم يكن يفعل أكثر من ذلك . فكيف يجوز أن لا تعدّ ما هذا حاله مفسدة ؟ وليس كذلك تمكين من يعلم أنه يفسد ، لأنه لو أراد الممكن أن يبلغ في نفعه في باب الدين نهاية ما يمكن ويجوز ، ما كان ليفعل إلا هذه الطريقة ، فكيف يعد ما لا يقع في المقدور أعظم منه مضرة ، وكيف يعدّ ما لا شيء أولى أن يصل معه إلى الثواب منه اقتطاعا عنه أو منعا منه ؟
--> ( 1 ) في الأصل : « فلذلك » . ( 2 ) مطموس .