القاضي عبد الجبار الهمذاني
140
المغني في أبواب التوحيد والعدل
هذا الفعل لو وقع منه ، بمنزلة الكذب لو وقع منه تعالى . فأما لو كان ممن يجوز أن يريد الفساد حتى تحصل هذه الدلالة واقعة على صحة « 1 » ، ما كان يصح أن نحكم بقبحها لكونها دالة على ذلك دون أن نبين فيها بعض جهات القبح على ما ذكرناه . فلذلك قلنا فيه تعالى لما لم يجز عليه البداء « 2 » لم يجز أن يحصل في أفعاله ما يدل على جواز ذلك عليه ؛ ولم نقل ذلك في الواحد منا لما جاز البداء عليه . ولذلك قال شيوخنا رحمهم اللّه في الأفعال ما يدل على كون فاعلها « 3 » كارها للحسن كالنهى والزجر ، ولم يقولوا بأن ذلك يقبح من حيث يدل على أنه كاره ، وإنما حكموا بقبحه لتعلقه بالقبح على وجه مخصوص . فإن قال : إنما قصد أبو علي رحمه اللّه في ذلك إلى أنه تعالى لو فعل المفسدة لكان قد فعل ما ظاهره يدل على إرادة فاعله الفساد مع كونه منزها عن ذلك ، وما هذا حاله لا يكون إلا قبيحا لأنه يقع موقع الكذب . قيل له : إن ظاهر كلامه بخلاف ما قدّرته ، لأنه صرح بأنه تعالى لا يفعل ذلك ويقبح منه ؛ لأنه لو فعله لدل على أنه مريد للفساد ، فأثبت كونه دالّا ، وجعله علة لما حكم به من قبحه . فلذلك صح الاعتراض بما ذكره أبو هاشم رحمه اللّه ، و « 4 » بما أوردناه الآن على كلامه . فإن قال : قد عرفنا ما ذكرته ، فما الّذي تقوله فيما تقدّم من / أنه يدل على إرادة فاعله الفساد . أتقولون إنه صحيح وإن كان إنما يقبح لوجه آخر . فإن حكمتم بصحته على ما دل كلامكم عليه في الجواب عما أورده أبو هاشم
--> ( 1 ) أي واقعة صحيحة . ( 2 ) البداء بالفتح من بدا له في الأمر أي نشأ له فيه رأى ؛ وهذا غير جائز على اللّه تعالى لأن عليه بالأشياء قديم . ( 3 ) في الأصل : فاعله . ( 4 ) في الأصل : وربما .