القاضي عبد الجبار الهمذاني

118

المغني في أبواب التوحيد والعدل

وبعد ، فإن الّذي ذكرناه أقوى منهما في الوجه الّذي ذكرته ؛ لأن عنده يختار العدول عن المضي على طريقة الصلاح إلى اختيار الفساد لا محالة ، وليس كذلك حال الأمر والدعاء ؛ لأنه قد يختار عندهما وقد لا يختار . فإذا عددتهما في المفسدة ، فبأن نعدّ ما قلناه فيها - ولهذه المزية التي وصفناها - أولى . فإن قال : فهلا قلتم إن المفسدة تبين من غيرها « 1 » بكونها حملا على الفساد وجبرا عنه دون ما ذكرتم . قيل له : إن من حمل غيره على الفساد حتى ألجأه إلى فعله فقد أخرجه من أن يستحق عليه الذم / والعقاب . وما هذا حاله لا يعد فسادا ، فلا يكون فسادا في باب الدين ، بل يكون متوصلا بذلك إلى إخراجه من أن يكون مكلفا بذلك الفعل . ومتى عد هذا الفعل مفسدة ففي باب الدنيا من حيث يصير ضررا معجلا . والّذي قدمناه قصدنا به بيان المفسدة في باب الدين والتكليف ثابت . فلا يصح ما ذكرته . فإن قال : أردت بالحمل أن يضطره إليه . قيل له : إن كنت هذا أردت ، فهو في الوجه الّذي ذكرناه أقوى ، لأن المضطر إلى الفعل لا يجوز أن يستحق عليه الذم لأنه من فعل غيره فيه كما لا يستحق أحدنا الذم على الألوان الحالة فيه . فإن قيل : أردت بالحمل أنه تقوى دواعيه إلى فعله فيختاره عنده لا محالة . قيل له : فقد رجعت إلى ما بيناه . فإن قال : إن المفسدة هي أن يوقع أحدنا الآخر في الفساد ويدخله فيه ويخرجه عن الصلاح ، لا ما ذكرتم . قيل له : إن الّذي ذكرته ألفاظ لا بد من

--> ( 1 ) في الأصل : « غيره » .