القاضي عبد الجبار الهمذاني

116

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في ذكر الدلالة على وجوب اللطف / وفي قبح المفسدة ، وما يتصل بذلك اعلم أن المكلف متى كان المعلوم أنه يمضى على سنن الطاعة ويختارها - إن لم يفعل تعالى أمرا مخصوصا ، ومتى فعل ذلك عدل « 1 » عن الطاعة واختار المعصية - فهذا الفعل « 2 » لا يكون إلا استفسادا ، أو جاريا مجرى الضدّ عن الطاعة والحمل على المعصية مع ثبات التكليف ؛ لأنه مع قيام التكليف لا يصح أن يضارّ بالمنع ، ولا أن يحمل على الطاعة بالقهر أو الإلجاء ، وإنما يصح مع ثبات التكليف ما ذكرناه . فلو لم نقل فيما حل هذا المحل إنه استفساد لما عقل للاستفساد صفة يتميز بها من غيره . وقد بينت أنه لا بدّ له من صفة يتميز بها ، فيجب أن تكون الصفة ما ذكرناه . والمخالف في هذه الجملة إما أن يقول : إن الّذي ذكرتموه ليس باستفساد ، ويدخل هذا المدخل في الطعن . أو يقول : هو استفساد لكنه لا يقبح فعله من الحكيم ؛ ويسلك هذه الطريقة . أو يقول : إنه يقبح ويسأل عن وجه قبحه ، أو عن الدلالة على أنه يدل من حال فاعله أنه يريد الفساد . أو يقول : هل يصح أن يوصف بأنه مستفسد ، وهو غير مريد من المكلف فعل المعصية التي يختارها عنده ، أم لا يصح أن يوصف بذلك إلا إذا أرادها ؟ ونحن نبين الكلام في كل وجه من ذلك . وقد بينا أن ما هذا حاله ، إن لم يكن استفسادا ، لم تعقل له صفة يمتاز بها « 3 » من غيره .

--> ( 1 ) أي المكلف . ( 2 ) أي الفعل الّذي فعله اللّه . ( 3 ) في الأصل : « به » .