القاضي عبد الجبار الهمذاني
11
المغني في أبواب التوحيد والعدل
في اللطف ؛ هل يجب على القديم تعالى أن يفعله ، أم لا ؟ ومعلوم أنه لا تعميم من ذلك القبيح ؛ لأن وصفه بالوجوب يتضمن حسنه . فإن قال : فيجب فيما هو لطف لزيد ومفسدة لعمرو أن لا يوصف في الحقيقة بذلك لقبحه ، وقد وصفه شيوخكم بذلك . قيل له : إنما وصفوه بذلك على طريقة التقييد ، وقد بينا أن ذلك سائغ فيه ، ويجرى على طريقة اللغة ؛ كما تقوله في مؤمن إن عند التقييد يجرى على طريقة اللغة ( وإلا كان ؟ ) مطلقه ، منقولا عن بابه . فإن قال قائل : أفليس من قول أبى على رحمه اللّه إنه إنما يكون لطفا إذا تقدّم بطاعة وقتا واحدا ؛ ومن قول أبى هاشم ، رحمه اللّه ، إنه إنما يكون لطفا إذا كان مما يدرك - أو يجرى مجرى المدرك - فهلا شرطتم ذلك في التسمية ؟ قيل له : إنهما رحمهما اللّه يقولان فيما خرج عن هذه الطريقة : إنه لا يكون لطفا أصلا ؛ فنفوا عنه المعنى ، وأثبتوه فيما يختص بالصفة التي ذكروها . إلا أنهم أثبتوا المعنى فيه ونفوا الاسم ، فما سألته لا يليق بما نريد بيانه . وسنبين القول فيه من بعد . فأما تناول اللطف لجنس من الفعل دون جنس ، حتى يختص ببعض ذلك دون بعض فبعيد . بل لا حادث يحصل له مع الطاعة ما ذكرناه من الحكم إلا ويكون لطفا ، جوهرا كان أو عرضا مختصا بالمحل أو بالحىّ فلا وجه لذكر ذلك في هذا الباب . فحصل من هذه الجملة أن المفهوم من جهة الاصطلاح من هذه اللفظة هو كل حادث جنس يختار عنده ما تناوله التكليف من واجب أو ندب ، أو يكون المكلّف عنده إلى اختياره أقرب ، والامتناع من القبيح في هذا الباب بمنزلة الواجب ، ولا معتبر بجنسه ولا سائر صفاته ، ولا بحال الفاعل ، بل يوصف بذلك على اختلاف أحواله في جميع ما ذكرناه من أوصافه .