القاضي عبد الجبار الهمذاني
107
المغني في أبواب التوحيد والعدل
تعرض له المنافع بقدرها أو بعلمها . وإن كان ذلك يحسن من جهة الشرع ، فإما أن يكون لهذا الوجه أو لأنه لطف . ولذلك قلنا : إنه تعالى لما أمر بأخذ الصبيان بفعل الصلاة وضربهم عليها أن ذلك يجرى مجرى الألطاف لنا ولهم ، لما فيه من رياضتهم على فعل ذلك عند البلوغ ، ولأنا عند أخذهم بذلك أقرب إلى فعل أمثاله . وأما ما يفعله أحدنا بالبهائم ومن لا نظن فيه أنه يحصل مكلفا ولا يقع إلا على وجه واحد - وهو لمنافعه التي يقدّرها - أو لأنه بإباحته تعالى يستحق العوض في الآخرة - وهذا كما نقوله في ذبح البهائم - فعلى هذه الجملة يجب إجزاء القول في هذا الباب . وأما إتعاب النفس في المكاسب وطرقها ، فإنه يحسن ابتغاء المنافع . وما يفعله تعالى عند الكد والسعي منا فيجب أن ننظر فيه ، فإن كان في حكم الموجب عنه لم يعد لطفا ، وإن كان واقعا بالعادة فيجب أن يحسن منه تعالى من جهة أنه يلطف . ولذلك نقول : إنه تعالى إنما ينبت الزرع وينميه عند أفعالنا على الحدّ الّذي جرت العادة به من جهة أنه لطف ، لأنه لو كان الغرض وصولنا إلى الانتفاع به لم يكن لهذه الأمور معنى . لو كان يجب أن يخلقه على الحدّ الّذي آل إليه أمره آخرا ، لكنه تعالى علم أن تحمل الكد حالا بعد حال لأجله يقتضي في العقلاء أن يتحملوا كلف الطاعات طلبا للثواب وتحرّزا من العقاب ، ولذلك لا يحسن منه تعالى هذه الطريقة في الجنة ، لما زال التكليف « 1 » . فأما ما يستحقه الإنسان على فعله من غيره فهو في حكم الموجب ، لأنه إن لم يفعله يكون ظالما ، فيدخل ذلك في باب الأعواض لا في باب / الألطاف .
--> ( 1 ) المقصود بهذه الفقرة أن الكد والسعي مطلوبان في الدنيا لأنها دار تكليف . وليس الأمر كذلك في الآخرة : فاللّه تعالى ينبت الزرع وينميه عند أفعالنا ، ولا يخلقه خلقا كاملا بدون كد وتعب .