القاضي عبد الجبار الهمذاني
103
المغني في أبواب التوحيد والعدل
فأما ما يقوله الفقهاء في بعض الكفارات إنها عقوبات ، وإن كان داخلا في التكليف ، فليس المراد بذلك أنه كلف من حيث كان عقوبة ؛ لكنهم أجروه مجرى ما يستحق عليه من العقوبات في أنه لا يتعلق إلا بالأفعال التي يصح فيها . فأما الطبع الّذي قد بيّنه اللّه تعالى في كتابه - وهو العلامة التي يعلم بها حال المطبوع على قلبه فيما يستحقه من ذم ومدح وعقاب وثواب - فقد اختلف فيه . وربما مر في كلام أبى على رحمه اللّه أنه عقوبة ، وعند أبي هاشم رحمه اللّه لا يكون إلا لطفا . فأما « 1 » أن يكون لطفا للمكلف الّذي يعرفه ، أو له وللمطبوع على قلبه جميعا ، والّذي يقطع به أنه لطف لمن يطبع على قلبه ، فيبين له ذلك بعلامة ؛ لأن عند معرفته بذلك قد تعبد بذمه والبراءة منه ، فيكون عند ذلك أقرب إلى ترك مواقعة / مثله . وإخبار اللّه تعالى بذلك في كتابه ، لا يمنع أن يكون لطفا لنا في هذا الباب . فأما الطبع نفسه فبعيد أن يكون لطفا للمطبوع على قلبه وهو غير عارف به ، وأما كونه عقوبة فبعيد لأنه ليس بألم ولا يؤدّى إليه ، ولا يقتضي الغم على الوجه الّذي يقتضيه الذم ، فلا يمكن أن يعد في العقوبات ولا فيما يجرى مجراها . وأما الوعيد فربما مرّ في كلام شيخنا أبى على ، رحمه اللّه ، أنه جار مجرى العقوبة ، ويجعله في حكم الذم . والأولى فيه ما ذكرناه في الطبع لأنه مصلحة ؛ لأن حاله مع العاصي كحاله مع المطيع ، وما هذا حاله لا يجوز أن يخص بأنه عقوبة . فأما الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فلا بد من كونهما صلاحا لمن كلف القيام بهما ، ولا يمتنع مع ذلك أن يكونا « 2 » صلاحا لمن يضيع المعروف أو يقدم على
--> ( 1 ) في الأصل : « وهو إما » . ( 2 ) في الأصل : « يكون » .