القاضي عبد الجبار الهمذاني
101
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : إن الّذي سلك هذه الطريقة بناها « 1 » على قوله بوجوب التكليف في الأصل ووجوب الأصلح ، ورأى أن هذا المكلف متى لم يكلف لوقوع الكفر عند تكليفه أنه قد فعل به أو بغيره ما هو أصلح له وأدوم « 2 » على ما حكيناه . ومتى ثبت أن الأصلح في الدين « 3 » ليس بواجب ، وأن أصل التكليف لا يجب ، فلا بدّ من بناء ما قدمناه على الأصول التي ذكرناها ، وهي : أن ما كان مفسدة فيجب أن يقبح ، وما حصل / فيه وجه من وجوه القبيح أن يعتبر حال وجود الحسن وكثرة المنافع فيه . فوقوع إيمانه وإيمان غيره عنده لا يخرجه من أن يكون مفسدة لهذا المكلف المخصوص ؛ فيجب أن يكون قبيحا . وقد بينا من قبل أن النفع والضرر إنما يتكافئان ويعتبر الأغلب منهما متى وصلا إلى واحد ، فأما إذا تغايرا فغير جائز هذا الاعتبار فيهما . ولذلك لا يجوز أن نظلم زيدا ظلما يسيرا إذا كان لنا فيه أو لغيرنا النفع العظيم . وليس لأحد أن يقول : إذا كثر النفع في تكليفه له ولسائر المكلفين لم يعتبر ما يلحق هذا المكلف المخصوص من الضرر بأن يختار الكفر عنده ، كما ليس لأحد أن يقول بمثله في ظلم هذا المكلف لو آمن الخلق عنده وما يتصل بهذا الباب . ويلزم القوم على قولهم بالأصلح : ارتكاب « 4 » القول بأن اللطف غير واجب ، وأن المفسدة هي الواجب في كثير من المواضع : وسنبينه « 5 » ( بعد ) « 6 » . فأما تكليف زيد بعض الأفعال ، إذا كان مفسدة في فعل آخر قد كلف به ، فإنه يقبح ؛ فالمعتبر فيه ما قدمناه من أن يعلم من حاله أنه لولا التكليف الثاني كان يصلح في الأوّل وعنده يختار الفساد فيصح ذلك .
--> ( 1 ) في الأصل : « بناه » . ( 2 ) في الأصل : « أقدم » . ( 3 ) في الأصل الأصلح في غير باب الدين و « غير باب » مشطوبتان . ( 4 ) في الأصل : « من ارتكاب » . ( 5 ) في الأصل : « فسنبينه » . ( 6 ) في الأصل : « من » ، والأولى : « بعد » .