القاضي عبد الجبار الهمذاني
10
المغني في أبواب التوحيد والعدل
عليه . ولا نقول إنه بانفراده أمر ، على ما ذكره السائل ؛ لأنه إنما يكون أمرا بما حذف منه ، ومتى لم يحذف ذلك منه وأورد في الكلام فلا بدّ من كونه كلاما ، لأن جملته تكون حروفا منظومة . وإنما نقول إنه مفيد على هذا السبيل لا بانفراده ، ومتى أورد جملة ما يفيد فلا بدّ من كونه كلاما . فقد صح بهذه الجملة أن ما سأل عنه لا يقدح فيما حدّدنا به الكلام . فإن قال قائل : هلا حدّدتم الكلام بأنه الحروف المنظومة إذا حصلت مفيدة ، وليس ثمّة في كتب الشيوخ أن الكلام لا يكون إلا مفيدا ، إلى ما شاكله من الألفاظ الدالة على ما سألنا كم عنه ؟ قيل له : لأن أهل اللغة قد قسموا الكلام إلى مهمل لا يفيد - لأنه لم يتواضع عليه - وإلى مستعمل مفيد ؛ فلو كان ما ذكرته صحيحا لم تصح منهم هذه القسمة . ولأن الكلام يصير مفيدا بالمواضعة ، ويكون الكلام صحيحا ، وليس للمواضعة تأثير في كونه كلاما كاملا ، كما لا / تأثير له في كونه صوتا . ولذلك يقول القائل منهم من غير مدافعة : تواضع العرب على الكلام فحصل مفيدا بالمواضعة ، ويكون الكلام صحيحا . يبين ذلك أن الكلام مهيّأ لصحة المواضعة عليه ، كالإشارة والحركة ؛ فكما أنهما لا يصيران كذلك بالمواضعة ، فكذلك الكلام . وإنما لم يجب عن هذا السؤال بما يقال من أن كلام المجنون والمبرسم « 1 » قد يسمى كلاما وإن لم يفد ؛ لأن لقائل أن يقول : إنه مفيد في أصل موضوعه ، وإن كان المتكلم به لا قصد له .
--> ( 1 ) المبرسم : الّذي به داء من أدواء العقل .