القاضي عبد الجبار الهمذاني

335

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فحكم الغائب والشاهد فيه لا يختلف . ففارق ما قدمنا ذكره من الأمور التي فارق الغائب الشاهد فيه على بعض الوجوه . على أن ما يريده تعالى من المرض وموت النبي صلى اللّه عليه ، وتبقية من يريد تبقيته ، هي أفعال قد « 1 » تفرد بها . فان جاز لهم أن يستدلوا بحسن ارادته لها على حسن ارادته للمعاصي ، ليجوّزن لغيرهم « 2 » أن يستدل بذلك على أنه يحسن منه أن يريد التفرد بالكذب والظلم ، والأمر بالقبيح ، والنهى عن الحسن ، وبعثة الكذابين . وهذا ان ارتكبوه لم يمكنهم التمسك بشيء من الدين البتة . وليس لهم أن يقولوا : إذا جاز أن يريد من غيره أن يعبده ، ويستحيل أن يريد من نفسه العبادة ، فهلا جاز أن يريد من غيره الكذب والظلم ، وان استحال أن يريدهما « 3 » من نفسه ؟ وذلك لأن العبادة تستحيل منه ، وتصح من غيره ، لأنها أفعال مخصوصة تقع على وجه الخضوع والتذلل ، ولذلك استحالت منه . وكذلك الشكر ، لأنه اعتراف بنعمة المنعم ، ويستحيل عليه سبحانه التنعم ، وما يؤدى إليه . وكذلك القول في نظائر هذه المسألة . وليس كذلك / حال الظلم والكذب ، لأنهما يقبحان منه منفردا بهما ، كما يصح وقوعهما من العبد . فان جاز أن يريدهما من غيره ، وحسن ذلك منه ، ولم يوجب نقصا فيه ، فيجب أن يحسن منه أن يريدهما من نفسه كما حسن ذلك منه في سائر الأفعال الحسنة .

--> ( 1 ) قد : ساقطة من ط ( 2 ) لغيرهم : ساقطة من ص ( 3 ) يريدهما : يريدها ط