ابن كثير

394

معجزات النبي ص

ركب السفينة ، وكان ذلك فضيلة أوتيها ، إذ أجيبت دعوته ، وشفى صدره بإهلاك قومه ، قلنا : وقد أوتى محمد صلى اللّه عليه وسلم مثله حين ناله من قريش ما ناله من التكذيب والاستخفاف ، فأنزل اللّه إليه ملك الجبال وأمره بطاعته فيما يأمره به من إهلاك قومه ، فاختار الصبر على أذيتهم ، والابتهال في الدعاء لهم بالهداية ، قلت : وهذا أحسن . وقد تقدم الحديث بذلك عن عائشة عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، في قصة ذهابه إلى الطائف ، فدعاهم فآذوه فرجع وهو مهموم ، فلما كان عند قرن الثعالب ناداه ملك الجبال فقال : يا محمد إن ربك قد سمع قول قومك وما ردوا عليك ، وقد أرسلني إليك لأفعل ما تأمرني به ، فإن شئت أطبقت عليهم الأخشبين - يعنى جبلى مكة اللذين يكتنفانها جنوبا وشمالا ، أبو قبيس وزر ، فقال : بل استأنى بهم لعل اللّه أن يخرج من أصلابهم من لا يشرك باللّه شيئا . وقد ذكر الحافظ أبو نعيم في مقابلة قوله تعالى : فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ( 10 ) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ( 12 ) « 1 » أحاديث الاستسقاء عن أنس وغيره . كما تقدم ذكرنا لذلك في دلائل النبوة قريبا أنه صلى اللّه عليه وسلم سأله ذلك الأعرابي أن يدعوا اللّه لهم ، لما بهم من الجدب والجوع ، فرفع يديه فقال : اللهم اسقنا ، اللهم اسقنا ، فما نزل عن المنبر حتى رؤى المطر يتحادر على لحيته الكريمة صلى اللّه عليه وسلم ، فاستحضر من استحضر من الصحابة رضى اللّه عنهم قول عمه أبى طالب فيه : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل

--> ( 1 ) سورة القمر ، الآيات : 10 ، 12 .