ابن كثير

240

معجزات النبي ص

وقد وقع كما أخبر فإن الملأ الذين اشتوروا على ذلك لم يلبثوا بمكة بعد هجرته صلى اللّه عليه وسلم إلا ريثما استقر ركابه الشريف بالمدينة وتابعه المهاجرون والأنصار ، ثم كانت وقعة بدر فقتلت تلك النفوس ، وكسرت تلك الرؤوس ، وقد كان صلى اللّه عليه وسلم يعلم ذلك قبل كونه من إخبار اللّه له بذلك ، ولهذا قال سعد ابن معاذ لأمية بن خلف : أما إني سمعت محمدا صلى اللّه عليه وسلم يذكر أنه قاتلك ، فقال : أنت سمعته ؟ قال : نعم ، قال : فإنه واللّه لا يكذب ، وسيأتي الحديث في بابه ، وقد قدمنا أنه عليه السلام جعل يشير لأصحابه قبل الوقعة إلى مصارع القتلى ، فما تعدى أحد منهم موضعه الّذي أشار إليه ، صلوات اللّه وسلامه عليه ، وقال تعالى : ألم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ( 4 ) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 5 ) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 6 ) « 1 » وهذا الوعد وقع كما أخبر به ، وذلك أنه لما غلبت فارس الروم فرح المشركون ، واغتم بذلك المؤمنون ، لأن النصارى أقرب إلى الإسلام من المجوس ، فأخبر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن الروم ستغلب الفرس بعد هذه المدة بسبع سنين ، وكان من أمر مراهنة الصديق رؤوس المشركين على أن ذلك سيقع في هذه المدة ، ما هو مشهور كما قررنا في كتابنا التفسير ، فوقع الأمر كما أخبر به القرآن ، غلبت الروم فارس بعد غلبهم غلبا عظيما جدا ، وقصتهم في ذلك يطول بسطها ، وقد شرحناها في التفسير بما فيه الكفاية وللّه الحمد والمنة ، وقال تعالى : سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( 53 ) « 2 » وكذلك وقع ، أظهر اللّه من آياته ودلائله في أنفس البشر وفي الآفاق بما أوقعه من الناس بأعداء النبوة ، ومخالفى الشرع ممن كذب به من أهل الكتابين ، والمجوس

--> ( 1 ) سورة الروم ، الآيات : 1 - 6 . ( 2 ) سورة فصلت ، الآية : 53 .