ابن كثير

236

معجزات النبي ص

مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا « 1 » الآية ، فأخبر أن جميع الخليفة لو اجتمعوا وتعاضدوا وتناصروا وتعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحته وبلاغته ، وحلاوته وإحكام أحكامه ، وبيان حلاله وحرامه ، وغير ذلك من وجوه إعجازه ، لما استطاعوا ذلك ، ولما قدروا عليه ، ولا على عشر سور منه ، بل ولا سورة ، وأخبر أنهم لن يفعلوا ذلك أبدا ، ولن لنفى التأبيد في المستقبل ، ومثل هذا التحدي ، وهذا القطع ، وهذا الإخبار الجازم ، لا يصدر إلا عن واثق بما يخبر به ، عالم بما يقوله ، قاطع أن أحدا لا يمكنه أن يعارضه ، ولا يأتي بمثل ما جاء به عن ربه عز وجل ، وقال تعالى : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً « 2 » الآية ، وهكذا وقع سواء بسواء ، مكن اللّه هذا الدين وأظهره ، وأعلاه ونشره في سائر الآفاق ، وأنفذه وأمضاه ، وقد فسر كثير من السلف هذه الآية بخلافة الصديق ، ولا شك في دخوله فيها ، ولكن لا تختص به ، بل تعمه كما تعم غيره . كما ثبت في الصحيح « إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده ، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده ، والّذي نفسي بيده لننفقن كنوزهما في سبيل اللّه » ، وقد كان ذلك في زمن الخلفاء الثلاثة أبى بكر وعمر وعثمان رضى اللّه عنهم وأرضاهم ، وقال تعالى : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( 33 ) « 3 » وهكذا وقع وعم هذا الدين ، وغلب وعلا على سائر الأديان ، في مشارق الأرض ومغاربها ، وعلت كلمته في زمن الصحابة ومن بعدهم ، وذلت لهم سائر البلاد ، ودان لهم

--> ( 1 ) سورة البقرة ، الآيتان : 23 - 24 . ( 2 ) سورة النور ، الآية : 55 . ( 3 ) سورة التوبة ، الآية : 33 .