ابن كثير

22

معجزات النبي ص

ما قام به أكابر علمائهم وعبادهم وقاتل عليه ملوكهم ، ودان به جمهورهم ، وهو دين مبتدع ليس هو دين المسيح ولا دين غيره من الأنبياء ، واللّه سبحانه أرسل رسله بالعلم النافع ، والعمل الصالح ، فمن اتبع الرسل حصل له سعادة الدنيا والآخرة ، وإنما دخل في البدع من قصر في اتباع الأنبياء علما وعملا . ولما بعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم بالهدى ودين الحق ، تلقى ذلك عنه المسلمون ( من أمته ) ، فكل علم نافع وعمل صالح عليه أمة محمد ، أخذوه عن نبيهم كما ظهر لكل عاقل أن أمته أكمل الأمم في جميع الفضائل ، العلمية والعملية ، ومعلوم أن كل كمال في الفرع المتعلّم هو في الأصل المعلم ، وهذا يقتضي أنه عليه السلام كان أكمل الناس علما ودينا . وهذه الأمور توجب العلم الضروري بأنه كان صادقا في قوله : « إني رسول اللّه إليكم جميعا » لم يكن كاذبا مفتريا ، فإن هذا القول لا يقوله إلا من هو من خيار الناس وأكملهم ، إن كان صادقا ، أو من هو من أشر الناس وأخبثهم إن كان كاذبا ، وما ذكر من كمال علمه ودينه يناقض الشر والخبث والجهل ؛ فتعين أنه متصف بغاية الكمال في العلم والدين ، وهذا يستلزم أنه كان صادقا في قوله : إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً « 1 » لأن الّذي لم يكن صادقا إما أن يكون متعمدا للكذب أو مخطئا والأول يوجب أنه كان ظالما غاويا ، والثاني يقتضي أنه كان جاهلا ضالا ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم كان علمه ينافي جهله ، وكمال دينه ينافي تعمد الكذب ، فالعلم بصفاته يستلزم العلم بأنه لم يكن يتعمد الكذب ولم يكن جاهلا يكذب بلا علم ، وإذا انتفى هذا وذاك تعين أنه كان صادقا عالما بأنه صادق ولهذا نزهه اللّه عن هذين الأمرين بقوله تعالى : وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ( 1 ) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ( 2 ) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) « 2 » وقال تعالى عن الملك الّذي جاء به إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 19 ) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( 20 ) مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ

--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 158 . ( 2 ) سورة النجم ، الآيات : 1 - 4 .