ابن كثير
20
معجزات النبي ص
فقيل : ليته لم يأمر به ، ولا نهى عن شيء فقيل : ليته لم ينه عنه ، وأحل لهم الطيبات لم يحرم منها شيئا كما حرم في شريعة غيره ، وحرم والخبائث لم يحل منها شيئا كما استحل غيره ، وجمع محاسن ما عليه الأمم ، فلا يذكر في التوراة والإنجيل والزبور نوع من الخبر عن اللّه وعن الملائكة وعن اليوم الأخر إلا وقد جاء به على أكمل وجه ، وأخبر بأشياء ليست في الكتب وليس في الكتب إيجاب لعدل وقضاء بفضل وندب إلى الفضائل وترغيب في الحسنات إلا وقد جاء به وبما هو أحسن منه ، وإذا نظر اللبيب في العبادات التي شرعها وعبادات غيره من الأمم ظهر له فضلها ورجحانها . وكذلك في الحدود والأحكام وسائر الشرائع ، وأمته أكمل الأمم في كل فضيلة ، وإذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم ، وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتهم للّه بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم ، وإذا قيس شجاعتهم وجهادهم في سبيل اللّه وصبرهم على المكاره في ذات اللّه ، ظهر أنهم أعظم جهادا وأشجع قلوبا ، وإذا قيس سخاؤهم وبرهم وسماحة أنفسهم بغيرهم : ظهر أنهم أسخى وأكرم من غيرهم . وهذه الفضائل به نالوها ، ومنه تعلموها ، وهو الّذي أرهم بها ، لم يكونوا قبا متبعين لكتاب جاء هو بتكميله ، كما جاء المسيح بتكميل شريعة التوراة ، فكانت فضائل أتباع المسيح وعلومهم بعضها من التوراة وبعضها من الزبور وبعضها من النبوات وبعضها من المسيح وبعضها ممن بعده من الحواريين ومن بعض الحواريين ، وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم حتى أدخلوا - لما غيروا ( من ) دين المسيح - في دين المسيح أمورا من أمور الكفار المناقضة لدين المسيح . وأما أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم فلم يكونوا قبله يقرءون كتابا ، بل عامتهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود والتوراة والإنجيل والزبور إلا من جهته ، وهو الّذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء ، ويقروا بجميع الكتب المنزلة من عند اللّه ، ونهاهم عن أن يفرقوا بين أحد من الرسل ، فقال تعالى في الكتاب الّذي جاء به قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما