ابن كثير
18
معجزات النبي ص
الّذي بناه إبراهيم ودعا الناس إلى حجه ، ولم يزل محجوجا من عهد إبراهيم ، مذكورا في كتب الأنبياء بأحسن وصف . وكان صلى اللّه عليه وسلم من أكمل الناس تربية ونشأة ، لم يزل معروفا بالصدق والبر ( ومكارم الأخلاق ) والعدل وترك الفواحش والظلم وكلّ وصف مذموم ، مشهودا له بذلك عند جميع من يعرفه قبل النبوة . ومن آمن به ومن كفر بعد النبوة ، ولا يعرف له شيء يعاب به لا في أقواله ولا في أفعاله ولا في أخلاقه ، ولا جرب عليه كذبة قط ، ولا ظلم ولا فاحشة ، وقد كان صلى اللّه عليه وسلم خلقه وصورته من أحسن الصور وأتمها وأجمعها للمحاسن الدالة على كماله ، وكان أميا من قوم أميين لا يعرف هو ولا هم ما يعرفه أهل الكتاب ( من ) التوراة والإنجيل ، ولم يقرأ شيئا من علوم الناس ، ولا جالس أهلها ، ولم يدّع نبوة إلى أن أكمل ( اللّه ) له أربعين سنة ، فأتى بأمر هو أعجب الأمور وأعظمها ، وبكلام لم يسمع الأولون والآخرون بنظيره ، وأخبر بأمر لم يكن في بلده وقومه من يعرف مثله ، ثم اتبعه أتباع الأنبياء وهم ضعفاء الناس ، وكذبه أهل الرئاسة وعادوه ، وسعوا في هلاكه وهلاك من اتبعه بكل طريق ، كما كان الكفار يفعلون بالأنبياء وأتباعهم ، والذين اتبعوه لم يتبعوه لرغبة ولا لرهبة فإنه لم يكن عنده مال يعطيهم ولا جهات يوليهم إياها ، ولا كان له سيف ، بل كان السيف والجاه والمال مع أعدائه وقد آذوا أتباعه بأنواع الأذى وهم صابرون محتسبون لا يرتدون عن دينهم ، لما خالط قلوبهم من حلاوة الإيمان والمعرفة ، وكانت مكة يحجها العرب من عهد إبراهيم فيجتمع في الموسم قبائل العرب فيخرج إليهم يبلغهم الرسالة ويدعوهم إلى اللّه صابرا على ما يلقاه من تكذيب المكذب ، وجفاء الجافي ، وإعراض المعرض ، إلى أن اجتمع بأهل يثرب وكانوا جبران اليهود ، وقد سمعوا أخباره منهم وعرفوه فلما دعاهم علموا أنه النبي المنتظر الّذي يخبرهم به اليهود ، وكانوا سمعوا من أخباره أيضا ما عرفوا به مكانته فإن أمره كان قد انتشر وظهر في بضع عشرة سنة ، فآمنوا به وبايعوه على هجرته وهجرة أصحابه إلى بلدهم ، وعلى الجهاد معه ، فهاجر هو ومن اتبعه إلى