الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

83

المعاد وعالم الآخرة

لا شك إنّ موت الطبيعة وبعثها الذي نشاهده كراراً طيلة سنوات عمرنا ، ما هو إلّانموذج حي لقيامة البشرية وبعثها للحياة ما بعد للموت . فما الفارق في ذلك ، فقانون الموت والحياة واحد في كل مكان . فلو لم تكن هناك من حياة بعد الموت ، لما إنبغى أن تستثنى الأراضي الموات من هذا القانون . وإن كان ممكناً ، فهو ممكن كذلك بالنسبة لأفراد البشر . فإذا لم يكن هناك أي أثر للحياة في تلك الصحراء الجافة بالأمس ، حتى لا يسمع فيها صوت البوم الشغف بذلك المكان فيسارع للهرب منه ، بينما إخضرت وغرقت في الحياة والنشاط والحركة اليوم بفعل ارتفاع درجة حرارة الجو وهبوب الرياح المعتدلة وهطول بعض الأمطار ، فما بالنا لا نعمم هذا القانون على موت الإنسان وحياته ، حقاً ما الفارق بين هذين الأمرين . هذه هي إحدى صور القيامة التي نمرّ عليها دائما مرور الكرام . * * * وقد تعرض القرآن الكريم على لسان العديد من الآيات إلى هذه الحقيقة بهدف الإرشاد إلى قيامة الناس ، فقد جاء في بعض الآيات : 1 - « وَاللَّهُ الَّذي ارْسَلَ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ » « 1 » . وكما نلاحظ فإنّ قيامة البشرية قد قورنت بقيامة عالم النبات . 2 - « وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَانْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصيدٍ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْع نَضِيدٍ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَاحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ » « 2 » .

--> ( 1 ) . سورة فاطر ، الآية 9 . ( 2 ) . سورة ق ، الآية 9 - 11 .