الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

78

المعاد وعالم الآخرة

ومحرقة بحيث إذا تأملها الناظر لما احتمل إنّها ستصبح يوماً موضعاً لكل هذه البساتين الغنّاء والأزهار الجميلة والشلّالات والطيور المتنوعة وأفراد الجنس البشري . ولا ندري على وجه الدقّة كم مضى على تلك اللحظة ، ولعلها تمتد إلى خمسة آلاف مليون سنة ! مضت آلاف ملايين السنين والأرض ساخنة ومحرقة . ثم اتحد غاز الهيدروجين مع الأوكسجين في أجواء الأرض ليكونا بخار الماء ، وبردت الطبقات العليا من الجو بمرور الزمان فاشبعت ببخار الماء فبدأت سيول الأمطار الرهيبة . إلّاأنّ الأرض كانت على درجة من السخونة بحيث لم تخترقها الأمطار ، فكانت تتحول بخاراً قبل ملامستها فترتفع إلى الأعلى ، وهكذا بقيت البحار لسنوات مديدة - ربّما ملايين السنين - تائهة معلقة ما بين الأرض والسماء ! فلم يكن لها من سبيل إلى الأرض ولا إلى جو السماء ، فكلما حاولت أن تقترب من الأرض لم تدعها الحرارة ، وحين كانت تندفع إلى السماء لم يكن لها القدرة الكافية لحل كل ذلك بخار الماء ، فكانت دائبة الحركة . إلّاأنّ تلك الحركة أخذت تبرّد الأرض بالتدريج وتحد من جماحها . فعادت المياه إلى الأرض ، حيث تقبلتها ودعتها تستقر في الحفر ، لكن لم يكن يسمع في الكرة الأرضية سوى صوت الرعد والبرق وزئير الشلّالات وأمواج البحار وصرير العواصف . فلم تتفتح وردة ولابرعم ، كما لم تكن هناك فراشة تلقح الأوراق ولا أصوات لرفرفة أجنحة الطيور التي تحلق على شكل أسراب وجماعات لتحطم حاجز الصوت المرعب لتلك المقبرة ، لا صوت حشرة ولا تغريد بلبل . . . كان الصمت سائداً في كل مكان ! وفجأة حدثت ثورة عجيبة وحادثة فريدة فقد ظهرت أولى الكائنات