فخر الدين الرازي
96
المطالب العالية من العلم الإلهي
البرهان الثامن لو كان العبد موجدا لفعله . لكان إما أن يقصد إيجاده فقط ، أو يقصد إيجاده في الوقت المعين . والأول باطل . لأنه لو قصد مطلق الإيجاد من غير أن يقيد ذلك الإيجاد بوقت معين ، لم يكن وقوع ذلك الفعل في بعض الأوقات ، أولى من وقوعه في الوقت الآخر . فيفضي إلى أن يحصل حدوثه في كل الأوقات ، أو إلى أن لا يقع حدوثه في شيء من الأوقات . والكل محال . وأما الثاني : وهو أن يقال : إنه قصد [ إلى « 1 » ] إيقاع الفعل في الوقت المعين . فهذا أيضا باطل . لأن الحركة من أول المسافة إلى آخرها ، عبارة عن حصولات متوالية في أحياز متعاقبة . وكل واحد من تلك الحصولات غير منقسم . فإذا كان لا ماهية للحركة إلا حصولات غير منقسمة ، متوالية في أحياز متلاصقة ، غير منقسمة ، كان القصد إلى إيجاد تلك الحركة : قصدا إلى إيجاد تلك الحصولات الغير منقسمة في تلك الأحياز الغير منقسمة . والقصد إلى الشيء بدون العلم بماهية [ المقصود « 2 » ] إليه : محال . فوجب أن يكون القاصد « 3 » إلى تكوين الحركة عالما بالضرورة بأنه يحدث ويدخل في الوجود حصولات متعاقبة غير منقسمة [ في أحياز متلاصقة غير منقسمة « 4 » ] ومعلوم أن هذا العلم : مقصود في حق الأكثرين . فثبت : أن موجد الحركة ومكونها ، ليس هو العبد . وذلك هو المطلوب البرهان التاسع لو أثرت قدرة العبد في حدوث الفعل . لكان أثرها في حدوث ذلك الفعل ، إما أن يكون بتركه من محل تلك القدرة ، أو لا بتركه من محلها .
--> ( 1 ) من ( م ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) . ( 3 ) الفاصل ( ط ) . ( 4 ) من ( ط ) .