فخر الدين الرازي

94

المطالب العالية من العلم الإلهي

في حق اللّه تعالى ، أو في حق العبد . وبيانه : أن الذي عدم فقد فني ولم يبق منه لا ذاته ولا حكم من أحكامه . فإذا حصل بعد ذلك شيء آخر ، فهو مغاير للأول ، وامتنع أن يكون عين ذلك الذي عدم . سلمنا : أن الإعادة في الجملة جائزة . لكن لم قلتم : إن القادر على الابتداء ، يجب أن يكون قادرا على الإعادة ؟ وتقريره : إن الابتداء يمتاز عن الإعادة بأمر من الأمور . فلم لا يجوز أن يقال : إن ما به حصل الامتياز يكون شرطا في أحد الطرفين أو مانعا في الطرف الآخر ؟ ثم نقول : الفرق بين الإعادة وبين الابتداء . هو أنه لو صحت الإعادة من العبد ، لكان إما أن يقدر على إعادته بتلك القدرة ، التي بها أوجد ذلك الفعل في الابتداء ، أو بغير تلك القدرة . والقسمان باطلان . أما أنه يمتنع [ إعادة « 1 » ] ذلك الفعل بعين القدرة التي بها أوجده في الابتداء . فذلك لأن القدرة لا بد وأن تتعلق في كل وقت بإيجاد فرد من أفراد ذلك النوع . فلو تعلقت أيضا في وقت من الأوقات بإعادة ما عدم ، لكان قد تعلقت في الوقت الواحد ، في المحل الواحد [ من الجنس الواحد « 2 » ] بأكثر من مقدور واحد . ولو جاز [ ذلك « 3 » ] لما كان عدد أولى من عدد . فيلزم جواز « 4 » تعلقها بما لا نهاية له . وذلك محال . لأنه يلزم أن لا يبقى التفاوت بين القادر وبين الأقدر . فثبت : أن إعادة الفعل بعين القدرة التي حصل بها الإيجاد في الابتداء : محال . وأما أنه لا يمكن إعادته بقدرة أخرى . لأنه لو جاز أن تتعلق قدرتان بإيجاد مقدور واحد ، لجاز قيام كل واحد منهما بقادر آخر . وذلك يفضي إلى حصول مقدور ، بين قادرين . وهو محال . فثبت : أن العبد لو قدر على إعادة فعل نفسه ، لقدر عليه . إما بعين تلك القدرة وإما بقدرة أخرى وثبت أن كل واحد منهما محال فلزم القول : بأن العبد لا يقدر على الإعادة . وهذا العذر غير موجود في القدرة على إيجاد الفعل ابتداء . فثبت : أنه لا يلزم من قدرة العبد على الإيجاد ابتداء ، قدرته على إعادة ذلك الفعل . فهذا هو تقرير هذا الفرق .

--> ( 1 ) سقط ( م ) . ( 2 ) من ( طا ، ل ) . ( 3 ) من ( طا ، ل ) . ( 4 ) وجوازه ( س ) .