فخر الدين الرازي

90

المطالب العالية من العلم الإلهي

وجوده مستمر على عدمه الأصلي ، فلم يكن لقدرته فيه أثر ، فيمتنع كونه قادرا عليه . لأنه لما كان في إحدى الحالتين قادرا عليه ، وفي الحالة الثانية لا قدرة له عليه ، والتخيير بين الحال التي فيها يقدر على الفعل ، وبين الحال التي لا يقدر فيها على الفعل ، يجب أن يكون مدركا . لأن التمييز بين حال الاقتدار ، وبين حال عدم الاقتدار : تمييز معلوم بالضرورة . فكان يجب أن لا يحصل هذا الالتباس . وحيث حصل : علمنا . أن العبد لا قدرة له على الايجاد . وثانيها : إن الناس تحيروا في أن من أوجد شيئا . فتأثير إيجاده . أيحصل في نفس الماهية ، أو في الوجود ، أو فيهما ؟ ولو كان هذا الإيجاد واقعا به ، لعلم بالضرورة : أن الذي أوجده وأوقعه : ما ذا ؟ . وثالثها : إن الناس تحيروا في أن المؤثرية . هل هي نفس الأثر ؟ منهم من قال : غيرها . لأن المؤثر موصوف بالمؤثرية ، وغير موصوف بالأثر . فأحدهما مغاير للآخر . ومنهم من قال : بل المؤثرية نفس الأثر . إذا لو كان مغايرا له ، لكان « 1 » اقتضاء ذات المؤثر لتلك [ المؤثرية « 2 » ] زائدا عليه . ولزم التسلسل . ورابعها : إن الناس تحيروا في أن محل العلم . أهو القلب ، أو الدماغ ، أو شيء آخر سواهما - هو النفس الناطقة ؟ - وبتقدير أن كون محل العلم هو القلب أو الدماغ . فهو جميع أجزائها ، أو بعض أجزائها . ولو كان موجد العلم هو العبد ، لوجب أن يعلم أنه في أي موضع أوجده ؟ وفي أي محل أحدثه ؟ ولو كان الأمر كذلك ، لما بقي ذلك الاشتباه . وحيث بقي ، علمنا : أن حصول هذه العلوم ليس بإيجاده . فظهر : أن اختلاف الناس في هذه المطالب ، يدل على أن عقول أكثر الخلق قاصرة عن حضور ماهية الإيجاد والتكوين . وإذا كان كذلك ، فكيف يدعى أن جميع الحيوانات ، حتى البهائم والحشرات تقصد إلى الإيجاد والتكوين [ والإنشاء « 3 » ] مع أن حقيقة الإيجاد والتكوين غير متصورة

--> ( 1 ) لكان تلك اقتضاء ( ل ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) . ( 3 ) ( م ، ل ) .