فخر الدين الرازي

82

المطالب العالية من العلم الإلهي

والأضعف ، والأقل والأكثر . وإذا لم يكن ذلك الفعل قابلا للتفاوت ، امتنع أن يكون التأثير في إيجاده قابلا للتفاوت . وإذا كان التأثير فيه غير قابل للتفاوت ، امتنع أن يقال : إن قدرة اللّه أولى بالتأثير من قدرة العبد . نعم قدرة العبد لا تتعلق إلا بهذا المقدور ، وقدرة اللّه تعالى متعلقة بها وبسائر المقدورات . إلا أن التفاوت بين قدرة اللّه وبين قدرة العبد ، إذا ظهر بالنسبة إلى هذا المقدور الواحد . فإنه لا يقبل التفاوت . فثبت بما ذكرنا : أنه يمتنع أن يقال : إن ذلك المقدور يقع بإحدى القدرتين دون الثانية . وأما القول بأن ذلك المقدور يحصل بكل واحدة من هاتين القدرتين . فهذا أيضا محال . لأن الأثر مع المؤثر المستقل التام ، يكون واجب الحصول ، وكونه واجب الحصول ، يمنعه من الاستناد إلى الغير [ والافتقار إلى الغير « 1 » ] فلو اجتمع على هذا المقدور الواحد : قادران مستقلان بالتأثير ، كان ذلك المقدور لكونه مع هذا القادر : واجب الحصول . ووجوب حصوله به ، يمنعه من الاستناد إلى القادر الثاني ، وكونه مع القادر الثاني ، يمنعه من الانتساب إلى القادر الأول . لعين ما ذكرناه . وعلى هذا التقدير : يلزم أن يستغني بكل واحد من هذين القادرين ، لكل واحد منهما ، فيلزم كونه منتسبا إليهما ، حال كونه منقطعا عنهما . وذلك محال . وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن ذلك المقدور لا يقع بواحد من هذين القادرين . فنقول : هذا أيضا محال . لأن كونه قادرا مستقلا بالإيجاد يقتضي حصول الأثر ، وعند تمام المقتضى لا يتعذر الأثر ، إلا لقيام المانع من وقوع الفعل ، بقدرة هذا القادر - ليس نفس قدرة القادر الثاني - بل المانع من ذلك هو وقوعه بقدرة القادر الثاني ، وعند قيام المقتضى ما لم يحصل المانع ، لا يتحقق الامتناع . فعلى هذا ، لا يمتنع وقوع الفعل بقدرة هذا القادر ، إلا إذا وقع ذلك الفعل بقدرة القادر الثاني . ولا يمتنع وقوعه بقدرة القادر الثاني ، إلا إذا وقع ذلك الفعل بقدرة القادر الأول . فيلزم : أن يقال : إنه لا يمنع وقوع الفعل ، وقوع ذلك الفعل بهما معا ، إلا إذا كان ذلك الفعل واقعا بهما .

--> ( 1 ) من ( ط ، ل ) .