فخر الدين الرازي
80
المطالب العالية من العلم الإلهي
مقدورة للّه تعالى . إما أن يكون لهما تحقق وتعين قبل الدخول في الوجود ، أو لا يكون . والأول محال . لأنه لا معنى للمقدور إلا الذي يكون تحققه وتكونه يقع بتأثير القادر . وما كان كذلك ، كان تحققه متأخرا عن تأثير قدرة القادر ، والمتأخر عن تأثير القادر ممتنع أن يكون هو بعينه مقدما على تأثير القادر . فثبت : أن الذي هو مقدور للعبد ، والذي هو مقدور للّه تعالى : لا تحقق له ، ولا تعين له ، قبل الدخول في الوجود . وما كان كذلك ، امتنع أن يقع فيه [ الامتياز ، وكل ما لا امتياز فيه « 1 » ] امتنع أن يقال : إن شيئا منه مقدور للعبد ولا للّه ، وشيء آخر منه مقدور للّه ولا للعبد . فثبت : أن القول بأن مقدور العبد غير مقدور اللّه : يفضي إلى هذين القسمين الباطلين ، فيكون باطلا بهذا الطريق . ومعنى قول من يقول : « إن تلك المقدورات أشياء وأمور حاصلة في العدم » أنا نقول : إن بتقدير أن يتحقق في العدم [ شيء « 2 » ] أمور متميزة . إلا أن على هذا التقدير ، يمتنع كونها مقدورة . لأن المقدور هو الذي يكون تحققه ووقوعه ، لأجل تأثير القادر [ فيه « 3 » ] وما كان متحققا في العدم ، يمتنع أن يقال : إن تحققه وتعينه لأجل تأثير القادر فيه . فثبت : أن ما كان مقدورا ، يمتنع كونه متحققا في العدم . وهذا كلام معتقد متين في تقرير هذا المطلوب . الحجة السادسة : إنه تعالى هو الذي أقدر العبد على الفعل . ومن أقدر غيره على شيء ، وجب أن يكون هو قادرا عليه . لأن العاجز عن الشيء ، يمتنع أن يجعل غيره قادرا عليه ، كما أن الجاهل بالشيء يمتنع أن يجعل غيره عالما بذلك الشيء . ولما توافقنا على أن اللّه تعالى هو الذي أقدر العبد على الفعل « 4 » وثبت : أن من أقدر غيره على فعل ، وجب أن يكون قادرا عليه : لزم القطع بكون اللّه تعالى قادرا على مقدور العبد .
--> ( 1 ) من ( ط ، ل ) . ( 2 ) من ( ل ) . ( 3 ) من ( ط ، ل ) . ( 4 ) العبد ( م ، ط ) .