فخر الدين الرازي
78
المطالب العالية من العلم الإلهي
لافتقر إلى معين آخر . ولزم التسلسل ، وهو محال . والقيد العدمي لا دخل له في التأثير . ولما سقط التعين ، لم يبق إلا أصل الماهية . وحينئذ يحصل التقريب . وأما النقوض العشرة التي أوردناها في هذه المقدمة على المعتزلة فهي لازمة على مذاهبهم . وأما نحن إذ كنا لا نقول بتلك المذاهب ، لم يلزم علينا تلك النقوض . فثبت : أن مثل مقدور العبد مقدور للّه تعالى ، وثبت : أن ما صح على الشيء ، صح على مثله ، فوجب القطع بأن مقدور العبد ، يصح أن يكون [ مقدورا « 1 » ] للّه تعالى وإذا حصلت هذه الصلاحية ، وجب تعلق قدرة اللّه تعالى به . إذ لو لم تتعلق قدرة اللّه تعالى به ، مع أنه يصح [ تعلق « 2 » ] قدرته به ، لكان تعلق قدرته ببعض المقدورات دون البعض : ترجيحا لأحد طرفي الجانب على الآخر . وذلك لا يحصل إلا لمخصص قادر . فيلزم : أن لا يصير اللّه تعالى قادرا على مقدوراته ، إلا لأجل أن شيئا آخر قدر عليه . ولما كان ذلك في حق اللّه تعالى محالا ، علمنا : أنه قادر على جميع المقدورات ، فوجب القطع بكونه تعالى قادرا على مقدور العبد . الحجة الثالثة على أنه تعالى قادر على مقدورات العباد : وهي : إنه لا شك أن اللّه تعالى قادر على بعض الممكنات . فكون ذلك البعض ، بحيث يصح أن يكون مقدورا للّه تعالى ، وجب أن يكون معللا بإمكانه . لأنا لو رفعنا الإمكان ، بقي . إما الامتناع ، وإما الوجوب . وهما يحيلان المقدورية . وما كان مانعا من الشيء ، لا يكون علة لحصوله . ولما خرج الوجوب والامتناع عن أن يكونا علة لصحة المقدورية ، بقي الإمكان مانعا لهذه العلية . فثبت : أن الذي لأجله يصح في بعض الممكنات أن يكون مقدورا للّه تعالى ، حاصل في جميع الممكنات ، فوجب القطع بأن جميع الممكنات يصح عليها أن تكون مقدورة للّه تعالى . ولما ثبت عموم هذه الصحة فلو تعلقت قدرة اللّه ببعضها دون
--> ( 1 ) سقط ( ط ) . ( 2 ) سقط ( ط ) .