فخر الدين الرازي

72

المطالب العالية من العلم الإلهي

بالشيء ، لا يدل على العلم بعدم الشيء . ورابعها : إن كون القدرة قدرة ، لما كانت على هذا الحكم ، وجب أن تكون كل قدرة مانعة من هذا الحكم . وهذا بناء على أن حكم الشيء حكم مثله . وقد بينا ما في هذه المقدمة . وأما قوله ثانيا : « تلك القدرة إذا كانت مخالفة لهذه القدر ، لم تكن مخالفتها لهذه القدر التي عندنا أشد من مخالفة بعض هذه القدر لبعض . وإذا كانت هذه القدر ، مع مخالفة بعضها لبعض ، لا تصلح لخلق الجسم ، فكذلك تلك القدرة وجب أن لا تصلح لخلق الجسم » . فنقول : هذا أيضا في غاية السقوط . وبيانه من وجوه : الأول : لا نسلم أن مخالفة تلك القدرة المفروضة ، لهذه القدر ، ليست أشد من مخالفة بعضها لبعض . فإن من الجائز أن يقال : إن هذه القدر - وإن كان بعضها يخالف بعضها - إلا أنها متشاركة في أنها لا تصلح لخلق الجسم ، أما تلك القدرة المفروضة فهي مخالفة لجملة هذه القدر . من حيث إن تلك القدرة صالحة لخلق الجسم ، وجملة هذه القدر ، لا تصلح لخلق الجسم . وكانت مخالفة هذه القدرة لجملة هذه القدر ، أشد من مخالفة بعض هذه القدر لبعض . فإن ادعيتم أن الأمر ليس كذلك ، فهو عين محل النزاع . الثاني : [ سلمنا « 1 » ] أن مخالفة تلك القدرة لهذه القدر ، ليست أشد من مخالفة بعض هذه القدر لبعض . إلا أن هذه القدر ، لها ماهيات مخصوصة ، ولها أيضا : أن بعضها مخالف لبعض . فعلى هذا : الامتناع ليس [ هو « 2 » ] كون بعضها مخالفا للبعض ، حتى يطرد هذا الحكم في جميع القدر ، التي يخالف بعضها بعضا . بل علة هذا الامتناع : تلك الماهية المخصوصة . ولما كانت تلك الماهية المخصوصة ، غير حاصلة في سائر القدر : سقط ما ذكرتم .

--> ( 1 ) من ( م ، ل ) . ( 2 ) من ( ط ) .