فخر الدين الرازي

62

المطالب العالية من العلم الإلهي

والجواب من وجوه : الأول : إن الصدقية والكذبية متقابلان بالسلب والإيجاب . لأن الصدق هو الخبر المطابق ، والكذب هو الخبر الذي لا يطابق . ولما كان هذان الوصفان متقابلين بالسلب والإيجاب ، كان أحدهما لا محالة صفة ثابتة موجودة . وإذا كان كذلك ، وجب أن يحصل له موصوف معين . وحينئذ يحصل المطلوب . ولا ينافي مذهبنا أن الصدقية والكذبية وصفان سلبيان ، لأن الوصف السلبي لا بدّ له أيضا من محل معين . لأن هذا السلب عبارة عن عدم شيء [ عن شيء « 1 » ] من شأنه أن يكون حاصلا [ له « 2 » ] فما لم يحصل إمكان حصول ذلك الوصف لذلك الموصوف ، امتنع أن يحكم الذهن بزواله عنه . فثبت : أنه وإن كان سلبيا إلا أنه لا بد له من محل معين . [ الثاني « 3 » ] : وهو إنه إذا كان هذا الطرف بعينه خاليا عن الصدقية والكذبية ، كان مجرد قولنا : « زيد غدا يمشي » : خاليا عن كونه كاذبا ، وخاليا عن كونه صادقا . فتكون هذه القضية بعينها خالية عن النقيضين معا . وذلك محال ، وكذا القول في الطرف الآخر . لا يقال : إنه وإن خلا عن الصدقية بعينها ، والكذبية بعينها ، لكنه ما خلا عن كونه . إما صدقا وإما كذبا . لأنا نقول : هذا الإيهام إنما يقع في الأذهان . أما في الأعيان . فالحاصل إما وصف الصدقية ، وإما وصف الكذبية . فإذا كانت القضية خالية عنهما معا ، لزم خلوهما عن النقيضين . وهو محال . واعلم : أن هذا البرهان قد دل على أن جميع الحوادث المستقبلة ، مترتبة في أنفسها ترتبا ، يمتنع على المتقدم أن يصير متأخرا ، أو على المتأخر أن يصير متقدما . وذلك يبطل الاعتزال بالكلية . ثم إنا إذا أردنا أن نبين أن ذلك الوجوب إنما حصل بإيجاب اللّه تعالى وبتقديره . قلنا : إن ذلك الموجب يمتنع أن

--> ( 1 ) من ( ط ) . ( 2 ) من ( ط ) . ( 3 ) الثالث ( ل ) .