فخر الدين الرازي
49
المطالب العالية من العلم الإلهي
عليه . فثبت : أن العلم لو اقتضى انقلاب الجائز واجبا أو ممتنعا ، لزم نفي قدرة اللّه تعالى . وذلك محال . الثاني : إن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه . فإن كان ممكنا ، علمه [ ممكنا « 1 » ] وإن كان واجبا ، علمه واجبا . ولا شك أن الإيمان والكفر ، بالنظر إلى ذاته من باب الممكنات . ولو صار واجب الوجود ، لصار العلم مؤثرا في المعلوم . وقد بينا أنه محال . الثالث : لو كان العلم والخبر مانعا ، لما كان العبد قادرا على شيء أصلا . لأن الذي علم اللّه وقوعه كان واجب الوقوع . والواجب لا قدرة عليه ، والذي علم عدمه كان ممتنع الوقوع ، والممتنع لا قدرة عليه . فوجب أن لا يكون العبد قادرا على شيء أصلا ، فكانت حركاته وسكناته ، جارية مجرى حركات الجمادات ، ومجرى الحركات الاضطرارية للحيوانات . لكنا بالبديهة نعلم فساد ذلك . فإن [ من « 2 » ] رمى إنسانا بالآجرة حتى شجة ، فإنه يذم الرامي ، ولا تذم الآجرة ، ويدرك بالبديهة تفرقة بين ما إذا سقطت الآجرة عليه ، وبين ما إذا لكمه إنسان بالاختيار . ولذلك فإن العقلاء ببدائه عقولهم ، يدركون الفرق بين مدح المحسن وذم المسئ ، ويلتمسون ويأمرون ويعاتبون ، ويقولون : لم فعلت ؟ ولم تركت ؟ فدل ذلك على أن العلم والخبر غير مانعين من الفعل . الرابع : لو كان العلم بالعدم ، مانعا من الوجود . لكان أمر اللّه الكافر بالإيمان : أمرا له بإعدام علمه وبتجهيله وبتكذيبه . وكما أنه لا يليق بحكمته أن يأمر عباده بأن يعدموه ، فكذلك لا يليق بحكمته أن يأمرهم بأن يعدموا علمه . لأن إعدام ذات اللّه تعالى وصفاته ، ليس في طاقته . فكان الأمر سفها وعبثا . وهو على الحكيم محال . فدل هذا : على أن العلم بالعدم لا يكون مانعا من الوجود .
--> ( 1 ) من ( ط ، ل ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) .