فخر الدين الرازي
43
المطالب العالية من العلم الإلهي
التصور ، ترتبت تلك المراتب بعضها على بعض ، بالغة ما بلغت ، ترتبا واجبا لازما اضطراريا . وعند هذا يظهر أن الإنسان مضطر في اختياره ، وأن جميع أفعال العباد : إما أفعال اللّه تعالى ، أو موجبات أفعال اللّه تعالى . وعلى التقديرين « 1 » فالمطلوب حاصل . واعلم : أن كل من رجع نفسه ، واعتبر أحوال أفعاله وأعماله : علم - قطعا ويقينا - : أن الأمر كما ذكرناه . وذلك لأنه إنما تحرك إلى جهة كذا ، لأنه أراد تلك الحركة وإنما أراد الحركة إلى تلك الجهة لأنه اعتقد أن له في تلك الحركة منفعة . وإنما حصل ذلك الاعتقاد ، لأنه رأى شيئا ، فصارت تلك الرؤية سببا لتذكره : أن له في ذلك الفعل منفعة . وهلم جرا إلى جميع المراتب . وبالجملة : فأفعال الجوارح مترتبة على أفعال القلوب [ وأفعال القلوب « 2 » ] يستند بعضها إلى بعض . والأخير « 3 » يستند إلى أمور خارجية اتفاقية . مثل : إن وقع بصره على شيء ، فتذكر شيئا . أو سمع صوتا فتذكر شيئا مع العلم الضروري بأن تلك الاتفاقات الخارجية : خارجة عن وسعه وطاقته . ثم إنا قد ذكرنا تلك الأشياء الستة التي بسببها تختلف أحوال الإنسان في عقائده وفي أخلاقه . فإذا انضمت تلك الأسباب الخارجية الاتفاقية ، إلى هذه الأسباب الستة التي ذكرناها ، ظهر حينئذ أن القول بالجبر لازم . ومثاله : إذا اتفق أن نفس الإنسان وقعت في أصل خلقتها : نفسا شديدة الاستعداد للغضب . ثم اتفق ان كان مزاج بدنه : شديد الاستعداد للصفراء ثم اتفق أن كانت أعضاؤه : مواتية للقهر والاستعلاء . ثم اتفق أن كان قد نشأ فيما بين أقوام يستحسنون إمضاء الغضب ، ويستحقون ترك تلك الأعمال . ثم اتفق أن صار بقاء دولته ورئاسته : معلقا بإمضاء أعمال الغضب .
--> ( 1 ) التقدير ( م ) . ( 2 ) من ( ط ، ل ) . ( 3 ) وبالآخر ( م ، ط ، ل ) .