فخر الدين الرازي

385

المطالب العالية من العلم الإلهي

مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً « 1 » وقال أيضا : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً « 2 » أي لم يزدادوا بدعائي لهم إلا فرارا . وقال أيضا : فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا ، حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي « 3 » ومعلوم : أنهم لم ينسوهم في الحقيقة ، بل كانوا يذكرونهم اللّه ويدعونهم إليه . لكن لما كان استغناؤهم بالسخرية منهم سببا في نسيانهم ، أضيف النسيان إليهم . وقال أيضا في سورة التوبة : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً ، وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ، فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ « 4 » فأخبر سبحانه : أن نزول السورة المشتملة على الشرائع تفرق أحوالهم . فمنهم من يصلح عند نزولها ، فيزدادوا إيمانا ، ومنهم من يفسد حينئذ ، فيزدادوا كفرا . فلا جرم أضيفت الزيادة في الإيمان ، والزيادة في الكفر ، إلى السورة لأجل أن تلك الزيادة إنما حصلت عند نزول تلك السورة . إذا عرفت هذا فنقول : إنما أضيف الهدى والإضلال إلى اللّه تعالى على هذا الوجه ، وذلك لأنهما لو كانا يحدثان من العبد عند فعل مخصوص يفعله اللّه تعالى ، لا جرم أضيفا إلى اللّه تعالى ، وإن كانا في الحقيقة إنما يحصلان بإيجاد العبد وتكوينه . والتأويل الثاني : إن الأصل هو التسمية بالضلال . يقال : أضله . أي سماه ضالا وحكم عليه به . وحكم « 5 » فلان على فلان بالكفر ، إذا سماه كافرا . وأنشدوا بيت « الكميت » وطائفة قد أكفروني بحبكم * وطائفة قالوا : مسيء ومذنب

--> ( 1 ) سورة المائدة ، آية : 68 . ( 2 ) سورة نوح ، آية : 6 . ( 3 ) سورة المؤمنون ، آية : 110 . ( 4 ) سورة التوبة ، آية : 124 - 125 . ( 5 ) في الأصل : تصحيف .