فخر الدين الرازي
364
المطالب العالية من العلم الإلهي
[ فلا تظالموا . يا عبادي « 1 » ] إنكم الذين تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا ، ولا أبالي . فاستغفروني أغفر لكم . يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي كلكم عاري إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم [ كانوا على أتقى قلب رجل واحد لم يزد ذلك شيئا . يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم « 2 » ] اجتمعوا في صعيد واحد . فسألوني فأعطيت كل إنسان منه ما يسألني ، لم ينقص ذلك من ملكي شيئا . إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط ، يا عبادي هذه أعمالكم أحفظها عليكم . فمن وجد خيرا فليحمد اللّه ، ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه » . قالت المعتزلة : هذا الخبر يؤكد مذهبنا من وجوه : الأول : إنه تعالى قال : « إني حرمت الظلم على نفسي » وهذا يدل على أنه تعالى قادر على الظلم . إذ لو لم يقدر على الظلم ، لما قال : « إني حرمته على نفسي » لأنه يجري مجرى ما إذا قال : إني حرمت على نفسي أن أجمع بين النقيضين ، ومعلوم أنه ركيك . الثاني : إنه تعالى لما بين أنه حرم الظلم على نفسه ، أوجب على العباد أن لا يظلم بعضهم بعضا . ولو كان تعالى هو الذي يخلق الظلم فيهم ، لكان ظالما . وأيضا : فكيف يقول لهم : لا تظالموا مع أنه تعالى هو الذي يخلق ذلك الظلم فيهم ؟ . والثالث : قوله : « إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب . ولا أبالي » فلو كان حصول ذلك الخطأ بخلق اللّه وإيجاده ، كما أن الغفران منه ، لم يكن في هذا التفضيل والتميز فائدة . وأيضا : فإذا خلق الخطأ غيره فهو تعالى إنما غفر للعبد بسبب فعل ما فعله العبد ، وتصريح النص يبطل ذلك . الرابع : إنه تعالى قال في آخر هذا الحديث : « هذه أعمالكم أحفظها
--> ( 1 ) من ( م ، ل ) . ( 2 ) من ( م ، ل ) .