فخر الدين الرازي

36

المطالب العالية من العلم الإلهي

وبالعكس . بل قد يكون قويا في الهندسة ، ضعيفا في الحساب ، مع قرب أحد العلمين من الآخر . وإذا وقفت على ما ذكرناه ، أمكنك استقراء أحوال الخلق ، وتفاوت طبائعهم ، في كون كل واحد منهم مستعدا لصناعة ، وبعيدا عن صناعة أخرى . والاستقراء يدل أيضا : على أن ذلك التفاوت ذاتي غريزي جوهري ، لا يمكن زواله البتة . وإلى هذا المعنى أشار صلوات اللّه [ وسلامه « 1 » ] عليه بقوله : « الناس معادن . كمعادن الذهب والفضة » وقال أيضا : « الأرواح جنود مجندة » . [ والخطباء « 2 » ] والشعراء يذمون ويمدحون بهذه المعاني فيقولون : فلان [ له « 3 » ] نفس كريمة سخية . وفلان له نفس لئيمة نذلة ضعيفة . بل لو اعتبرنا وتأملنا ، لعلمنا أن تفاوت الخلق في هذه المعاني ، قد يكون الأكثر « 4 » جبليا غريزيا . حتى أن النفس النذلة ، لو اجتمع العالمون في إزالة تلك النذالة عنها ، فإنها لا تزول . و [ لا « 5 » أعني بهذا : أفعال النذالة والخزية . فإن تلك الأفعال قد تتبدل بالتكلف . وإنما أعني به : الأخلاق النفسانية ، والملكات الغريزية . والسبب الثاني من الأسباب الداخلية : اختلاف أحوال الأمزجة . فإن من كان حار المزاج . وخصوصا مزاج الدماغ . فإنه يكون شديد الغضب ، مشوش الفكر . ومن كان بارد الدماغ ، كان بليدا ، ناقص الفكر . ومن كان يابس الدماغ ، فإنه تضعف عليه الأفكار لأن دماغه بسبب ما فيه من اليبس ، لا يقبل الصور النفسانية ، قبولا سهلا . ومن كان رطب الدماغ ، فإنه لا يكمل فكره . لأن الصور الدماغية ، تصير منحجبة عن الدماغ ، زائلة عنه ، بسبب ما فيه من الرطوبة . والسبب الثالث من [ الأسباب « 6 » ] الداخلية : اختلاف أشكال

--> ( 1 ) من ( ل ) س ( 4 ) الأكبر ( ط ) . ( 2 ) من ( م ، ل ) . ( 5 ) من ( ط ، ل ) . ( 3 ) من ( م ، ل ) . ( 6 ) من ( ط ، ل ) .