فخر الدين الرازي

320

المطالب العالية من العلم الإلهي

[ عليها « 1 » ] بأفعال أخرى . وبيان المقدمة الثانية . وهي قولنا : إن ذلك يقتضي أن لا يكون فعل العبد فعلا للّه تعالى . فتقديره من وجهين : الأول : إنه لو كان الشرط فعلا للّه تعالى ، كما أن الجزاء فعله ، لصار العبد من هذا الشرط والجزاء خارجا من البين ، ويصير التقدير كأنه تعالى يقول : إني متى فعلت الفعل الفلاني فإني أفعل بعده فعلا آخر . إلا أن التغاير بين هذا الكلام وبين [ قوله « 2 » ] أيها العبد إن أطعتني أثبتك ، وإن عصيتني عاقبتك : معلوم بالضرورة . الثاني : إنه تعالى إنما رتب هذه الأجزية على أفعال العباد ترغيبا لهم « 3 » في الطاعات ومنعا لهم عن المحظورات . وهذا إنما يفيد إذا كانوا قادرين على الفعل والترك ، متمكنين من كل واحد منهما على البذل . وقد بينا : أنه لو كان موجد أفعال العباد هو اللّه تعالى لما [ بقيت « 4 » ] هذه القدرة وحينئذ يصير هذا الترغيب والترهيب عبثا بالكلية . ومما يؤكد ذلك قوله تعالى : وَقالُوا : اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا . تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا : أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً « 5 » والاستدلال به من وجهين : الأول : إن ذلك القول لو كان مخلوقا للّه تعالى لصار الكلام ركيكا لأنه يصير تقدير الكلام : تكاد السماوات أجعلها منفطرة والأرضين أجعلها منشقة بما خلقت في العبد هذا الكلام ، وأردته وقضيت به . ومعلوم : أن ذلك في غاية الركاكة . وأيضا : فقوله : ( لقد جئتم شيئا إدّا ) . نص في أن العبد هو الذي جاء بذلك الفعل . الثاني : إن الواحد منا إذا أنكر على غيره فعلا ، ثم أتى بمثله عد سفيها .

--> ( 1 ) زيادة . ( 2 ) من ( ط ، ل ) . ( 3 ) إليهم ( م ) . ( 4 ) ثبت ( ط ) . ( 5 ) سورة مريم ، آية : 88 - 91 .