فخر الدين الرازي

281

المطالب العالية من العلم الإلهي

« أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم » توجب فساد الجبر ، فههنا وجوه أخرى مستنبطة منها توجب فساد القول بالاعتزال . فالأول : إن شر الشياطين والأبالسة إذا لم يكن للّه [ تعالى « 1 » ] فيه أثر البتة ، لم تجز الاستعاذة باللّه . لأن على هذا التقدير إما أن يكون المطلوب من اللّه في هذه الاستعاذة : أن يمنع الشيطان بالنهي والزجر والتهديد ، أو بأن يمنعه منه بالقهر والإلجاء . أما الأول فقد فعله اللّه تعالى ، فكان طلبه لتحصيل الحاصل ، وهو عبث . وإن كان الثاني لم يجز من اللّه تعالى أن يفعله ، لأن الإلجاء ينافي كون الشيطان مكلفا . الثاني : إن اللّه تعالى إما أن يكون مريدا لصلاح حال العبد ، وإما أن لا يكون كذلك . فإن كان الأول فالشيطان إما أن يتوقع منه إفساد العبد ، أو لا يتوقع منه ذلك . فإن [ كان « 2 » ] المتوقع من الشيطان إفساد العبد ، مع أن اللّه تعالى يريد إصلاحه ، فلم خلقه ؟ ولم يسلطه على العبد ؟ وإن كان لا يتوقع منه إفساد العبد . فأي فائدة في الاستعاذة باللّه منه ؟ وأما الثاني : فهو أن اللّه قد لا يريد إصلاح العبد . وعلى هذا التقدير : الاستعاذة باللّه لا تفيد الاعتصام من آفات الدين والدنيا . الثالث : إن الشيطان إما أن يكون مجبورا على فعل الشر ، أو لا يكون قادرا على الشر والخير . فإن كان الأول فقد أجبره اللّه تعالى على الشر . وذلك يناقض الاعتزال . وإن كان الثاني فحينئذ لا تترجح فاعلية الشر على فاعلية الخير ، إلا لمرجح من قبل اللّه تعالى - على ما قررناه مرارا وأطوارا - فحينئذ يلزم الجبر - فكيف يستعاذ من الشيطان ؟ الرابع : إن كان الفعل المستعاذ منه : معلوم الوقوع . فهو واجب

--> ( 1 ) سقط ( ل ) . ( 2 ) زيادة .