فخر الدين الرازي

271

المطالب العالية من العلم الإلهي

الشيء لا يمكن إلا بالقصد إلى تحصيله والقصد إلى تحصيله مشروط بالعلم بماهيته . وعند فقدان هذا العلم يكون هذا تكليفا بما لا يطاق . إلا أن هذا الإلزام غير وارد على « أبي الحسين » لأنه لا يثبت هذا المعنى . واللّه أعلم . وأما الشبهة الثالثة : فالجواب عنها من وجهين : الأول : إنا بينا بالدلائل العشرة : أنه تعالى كلف بما لا يطاق . وذلك يبطل قولهم : أنه تعالى لا يفعل ذلك . والثاني : إنه بناء على الحسن والقبح العقلين . وذلك باطل على ما سيأتي تقريره إن شاء اللّه . واعلم : أن أكثر ما ذكروه من الوجوه راجع إلى هذا الأصل . مثل : قولهم : لو جاز تكليف العبد بما لا قدرة له عليه ، لجاز إرسال الرسل إلى الجمادات . وأيضا : لا يجوز من الحكيم أن يخلق شتم نفسه . وأيضا : لو جاز مثل هذا التكليف ، لجاز أن يقيد يديه ورجليه ، ويلقيه من شاهق الجبل ، ثم يضربه ، ويقول له : قف في الهواء . فإن هذه الكلمات يرجع حاصلها إلى أنها قبيحة في العقول . فإذا نازعنا في هذا الأصل ، فقد سقط الكل . وأما الشبهة الرابعة : وهي قولهم : « لو لم يكن العبد موجدا لأفعال نفسه ، لما أمكن الاعتراف بالصانع وبالنبوة وبكون القرآن حقا » فالجواب : أن الاعتراف بهذه الأصول إن كان موقوفا على العلم يكون العبد موجدا ، لم يكن إثبات كون العبد موجدا ، بالبناء على تلك الأصول . وإلّا وقع الدور [ وإن لم يكن موقوفا عليه ، لم يلزم من القدح في كون العبد موجدا ، القدح في تلك الأصول . واللّه أعلم « 1 » ] .

--> ( 1 ) من ( ط ، ل ) .