فخر الدين الرازي

27

المطالب العالية من العلم الإلهي

وأما السؤال الثالث : وهو قوله : إن الذي ذكرتم يقتضي كونه تعالى ، موجبا بالذات ، لا فاعلا بالاختيار » فجوابه : إنا قد دللنا على أن الفعل يتوقف على حصول الداعية والإرادة المرجحة . ثم لما تأملنا أن كل ما للعبد من الدواعي والإرادات فهو محدث . فلا جرم افتقرت دواعي العباد وإرادتهم إلى مرجح آخر . فأما إرادة اللّه تعالى فإنها قديمة أزلية ، فلا جرم استغنت عن إرادة أخرى . فظهر الفرق بين البابين . فإن قالوا : هب أنه ظهر الفرق من الوجه الذي ذكرتم . إلا أنا نلزمكم هذا الإلزام من وجه آخر . فنقول : إرادة اللّه [ تعالى « 1 » ] تعلقت بإحداث العالم في الوقت المعين . فهل كان يمكن أن تتعلق بإحداث العالم في وقت آخر ، بدلا عن التعلق الأول ، أو يمكن ؟ فإن كان الأول لزم افتقاره إلى مرجح ، وإن كان الثاني [ لزم « 2 » ] أن يكون موجبا [ لا « 3 » ] مختارا والجواب : إن هذا الإشكال الذي أوردتم علينا في الإرادة : وأورد عليكم في العلم . فإن لزم من هذا القدر كونه تعالى موجبا ، فهو أيضا وارد عليكم بسبب العلم . وأما السؤال الرابع : وهو قوله : « القادر يمكنه أن يرجح أحد مقدوريه على الآخر لا لمرجح » فنقول : هذا محال . ويدل عليه وجوه : الأول : إن نسبة القادر إلى الضدين . إما أن تكون على السوية ، أولا على السوية . فإن كان على السوية ، امتنع حصول الرجحان . وإلا فحينئذ يكون ذلك الرجحان حاصلا ، لا لمؤثر . لأن الاستواء لا يوجب الرجحان البتة . وحصول الرجحان قول بحدوث الأثر ، لا لمؤثر . وذلك يوجب نفي الصانع وهو محال . وإن كانت نسبة القادر إلى أحد الضدين راجحة ، فهذا اعتراف بأن الرجحان لا لمرجح محال . وهو المطلوب . الثاني : إنه لو حصل الرجحان لا لمرجح ، لكان حصول [ ذلك

--> ( 1 ) من ( م ، ل ) ( 2 ) من ( ط ، ل ) ( 3 ) من ( ل )